شفقنا العراق-في بلد يواجه تصحراً متزايداً وشحاً مائياً وارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة، تتحول الشجرة من عنصر جمالي إلى جزء من الاستجابة للتحديات البيئية والمناخية.
يمتلك العراق طبيعة خضراء تشكلت ملامحها بفعل تنوعه الجغرافي والبيئي، الذي أسهم في تشكيل المشهد الطبيعي وارتباطه بحياة العراقيين وذاكرة المكان، لكن التغيرات المناخية والتحديات التي تطرأ عليه أثرت في ذلك، ما أعاد الاهتمام بالتشجير وتوسيع رقعة الغطاء النباتي، عبر حملات وطنية تحظى بدعم حكومي، في مسعى إلى تعزيز التوازن البيئي، وصولا إلى عراق أخضر تتكامل فيه جهود الدولة والمجتمع لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز جودة الحياة.
برنامج زراعي
وضمن الاستعدادات للمواسم الملائمة للتشجير، تواصل الحكومة استكمال متطلبات تنفيذ حملات التشجير بما ينسجم مع الأسس الفنية والبيئية.
وفي هذا السياق أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، قصي الحطاب أن “اللجنة الوطنية العليا للتشجير، ودائرتي البستنة والغابات ومكافحة التصحر التابعات لوزارة الزراعة، تركز خلال فصل الصيف على التحضير للمواسم الزراعية المناسبة سنوياً، من خلال تحديد المواقع المستهدفة، وإعداد التصاميم والمخططات، وإنتاج الشتلات الملائمة للبيئة العراقية وتجهيزها في المشاتل، إلى جانب التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لإعداد خطط التشجير والصيانة، ووضع الأولويات، وإختيار الأنواع النباتية المناسبة، وضمان توفير مصادر المياه، ومتابعة نسب نجاح الشتلات بعد زراعتها، بما يحقق زيادة فعلية في المساحات الخضراء، بدلاً من الاكتفاء بعدد الأشجار المزروعة”.
مبادرات بيئيَّة
ولا يقتصر الاستعداد لحملات التشجير الكبرى على الجهد الحكومي، بل يمتد إلى منظمات المجتمع المدني التي ترى في استدامة الغطاء النباتي أولوية وطنية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس منظمة المناخ الأخضر العراقية، الدكتور مختار خميس حبة، أن “المنظمة تعد من أوائل المنظمات الداعمة لحملات التشجير، انسجاماً مع مخرجات مؤتمرات المناخ (COP)، التي تؤكد أهمية الحفاظ على المساحات الخضراء داخل المدن وخارجها”.
وأضاف أن “المنظمة نفذت العديد من ورش العمل التوعوية التي تحث على زيادة الرقعة الخضراء، وتشجع السكان المحليين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، ولا سيما في أهوار محافظة ذي قار، على الزراعة خلال فترات الجفاف، للتخفيف من آثار التغيرات المناخية وشح المياه”.
ودعا حبة إلى “حماية المساحات الخضراء في بغداد، ولا سيما في منطقة الجادرية والجزيرة السياحية وغيرها، والحد من التوسع العمراني على حسابها، إلى جانب الحفاظ على البساتين ومنع تحويلها إلى مناطق سكنية”. وثمن المبادرات الشبابية في مجال التشجير، وشدد على ضرورة ديمومتها”.
مؤكداً “استمرار تعاون المنظمة مع وزارتي البيئة والموارد المائية، والمؤسسات الأكاديمية، لدعم التنوع البايولوجي، وتعزيز المساحات الخضراء، ومواجهة آثار التغير المناخي”.
ثورة ضروريَّة
وتتزايد الدعوات إلى توسيع الرقعة الخضراء لمواجهة التحديات البيئية المتفاقمة في العراق، في الوقت الذي يرى فيه الخبير البيئي تحسين الموسوي أن “البلاد بحاجة إلى ثورة حقيقية في مجال التشجير على المستويين المحلي والإقليمي، تتجاوز الحملات الوطنية المحدودة إلى برامج استراتيجية طويلة الأمد”.
مبيناً أن “هذه الثورة تتطلب تخصيص موازنات كافية، والاستعانة بالمنظمات الدولية المختصة، وتكثيف البرامج التوعوية، إلى جانب تكاتف جهود الوزارات المعنية لمواجهة التحديات البيئية”.
وأشار الموسوي إلى أن “العراق يمر بالمرحلة الثالثة من التصحر، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة، إذ بلغت نسبة الأراضي المتصحرة نحو (55%) من إجمالي مساحة البلاد، ما يصنفها ضمن مستويات التصحر الشديد، فضلاً عن فقدان المدن مساحاتها الخضراء نتيجة التوسع العمراني، الأمر الذي أسهم في ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف الجاري بمعدلات تراوحت بين (8- 10) درجات مئوية، في حين كان الغطاء النباتي كفيلاً بالحد من هذه الزيادة”.
وتابع أن “هذا الواقع ألقى بظلاله على قطاع الطاقة الكهربائية، متسبباً في انخفاض الإنتاج وارتفاع التكاليف، فضلاً عن التراكمات التي خلفتها الحكومات السابقة”.
وأضاف الموسوي أن “تلوث الهواء الناتج عن عوادم المولدات والسيارات والوقود الأحفوري أيضاً يؤثر على الحزام الأخضر، ما ينعكس بصورة مباشرة على صحة الإنسان”.
موضحاً أن “الفرد يحتاج إلى ما بين (5- 10) أشجار لتحقيق التوازن بين إمتصاص ثاني أوكسيد الكاربون وإطلاق الأوكسجين، إلا أن مستويات التلوث الحالية رفعت هذه الحاجة إلى ما بين (20- 30) شجرة لامتصاص الغازات الضارة”.
وذكر الموسوي أن “فاعلية مبادرات التشجير لا تقاس بعدد الأشجار المزروعة، وإنما بنوعية ما يزرع منها”. داعياً إلى “اعتماد الوزارات المعنية أصنافاً قادرة على تحمل مختلف الفصول والظروف المناخية، بما يضمن استدامة مشاريع التشجير في عموم البلاد”.

