شفقنا العراق- اتسعت مظاهر الفساد في العراق لتشمل قطاعات النفط والكهرباء والمنافذ الحدودية والجمارك والعقود الحكومية، وسط حديث عن شبكات اقتصادية مرتبطة بقوى سياسية تعمل على حماية مصالحها وإبعاد الرقابة عن مصادر الأموال.
تخطى الفساد في العراق مظاهره الشائعة عالمياً ليمسي نمطاً من “إبداع الفاسدين”، إذا صح التعبير، في طريقة تمدده ومنافذ السرقات وطرقها ومخابئها التي لم يشهد مثلها تاريخ بغداد من قبل، إذ لم يرد في كتب التاريخ، التي تناولت حكايات الشطار والعيارين، ذلك الاستشراء في السرقات ومحاولة حجبها عن أعين السلطات، حين اقترن الفساد الحالي بمظاهر العوز المجتمعي العام، الذي انقلب عليه الحاكم الجديد ليكشف جزءاً يسيراً منه، بحسب ترجيح مراقبين للمشهد العراقي.
على رغم ذلك فإن هذا الجزء البسيط الظاهر كان مروعاً وصادماً للجمهور الذي ما كان يدرك أنه ينهب إلى هذا الحد، وأن موارد نفطه تتبخر لتستقر في جيوب بضعة سياسيين تحالفوا عبر المحاصصة السياسية والحزبية لتأمين مظلة حماية توفر الغطاء الآمن للسرقة التي يرافقها الاستحواذ والانتقام من الخصوم والأنداد، وإشاعة جو من الطائفية التي لم تستمر طويلاً بعد إدراك الغالبية دوافعها ومثيراتها، والأغراض التي تؤديها إثارة الفوضى “من أجل توفير غطاء السرقة”،
كما قال وزير ورئيس كتلة نافذ في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه رداً على سؤال عن سر الفوضى التي تعيشها العاصمة بغداد، إذ أكد أنها “مقصودة لإثارة الغبار ولكي لا يرى الناس سبل السرقة”.
وزارات مقفلة للسراق
مظاهر الفساد كشفت تركزه في وزارتي النفط والكهرباء، إضافة إلى مجالات أخرى كالمنافذ الحدودية والموانئ والجمارك، وتمثلت في تزوير الشهادات في التعليم وسواه حتى بات الفساد مستشرياً في كل مرافق الدولة من خلال فساد طبقات من الموظفين في القطاعات العامة والخاصة،
وإشراك جيل من الموظفين الصغار للعمل تحت إمرة السياسيين المتورطين بسرقة المال العام، وابتكار طرق حجب الأموال والمقتنيات من عوائد ذلك المال العام الذي يستحيل ذهباً بكميات تصل إلى أطنان مخبأة في بيوت وأماكن الفاسدين.
أما كيف تجبى الأموال فمن خلال اللجان الاقتصادية للأحزاب والكتل السياسية التي كانت مهمتها الاستحواذ على العقود الحكومية بشتى الطرق ولو بتصفية المنافسين أو باستخدام الميليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد تحت رعاية سياسية أو برلمانية أو حزبية،
فمن النادر أن تعمل كتلة سياسية من دون لجان اقتصادية تختارها من أبرع منتسبيها وتمنحها كل الحصانات الممكنة لغطاء تحركها في المجتمع لانتزاع الإتاوات والعقود.
أمام اختبار حقيقي
يرى المتخصص في العلاقات الدولية والتنمية السياسية غازي فيصل حسين أن “ملف الفساد المالي يمثل اليوم أحد أكبر اختبارات الدولة العراقية، فالبلد لا يعاني نقص الموارد، وإنما مشكلة إدارة تلك الموارد وحمايتها وتوجيهها نحو التنمية، وإذا كان الفساد قد وصل إلى مرحلة تتداخل فيها المصالح المالية مع النفوذ السياسي والأمني، فإن مواجهته تصبح قضية تتعلق بالأمن الوطني وبمستقبل الدولة، وليس مجرد ملف إداري أو مالي،
لذلك فإن المطلوب هو فتح الملفات على أساس القانون، وتدقيق الوثائق والأرقام، ومراجعة حركة الأموال والتحويلات، وتفعيل دور القضاء والادعاء العام والرقابة المالية والبنك المركزي، وصولاً إلى حقيقة واضحة ومعلنة أمام الشعب العراقي، فالمال العام ليس رقماً في تقرير، وإنما هو حق لملايين العراقيين، وأي هدر أو اختلاس له يمثل اعتداء مباشراً على مستقبل الدولة والمجتمع”.
ويضيف الباحث “لم يعد الفساد المالي في العراق مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات مالية متفرقة، بل أصبح، وفق ما تشير إليه تقارير ووثائق وتصريحات لمسؤولين ونواب سابقين، قضية تمس بنية الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وحماية المال العام، فحين تطرح أرقام ضخمة عن أموال أنفقت أو اختفت من دون مستندات واضحة أو آليات رقابية فعالة، فإن السؤال لا يعود فقط أين ذهبت هذه الأموال؟
وإنما من المسؤول عنها؟ ولماذا لم تتمكن مؤسسات الدولة، حتى الآن، من الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المتورطين؟ وتزداد خطورة المسألة عندما يتقاطع الفساد المالي مع النفوذ السياسي والاقتصادي والسلاح والجريمة المنظمة، بما قد يؤدي إلى نشوء شبكات مصالح قادرة على التأثير في مؤسسات الدولة وتعطيل آليات الرقابة والمساءلة”.
فاسدون صغار للحماية
ويذهب الباحث الأكاديمي كاظم المقدادي بعيداً في توصيف عملية مداهمة الفاسدين وبواعثها من وجهة نظر أخرى، قائلاً إن “المشهد العراقي فيه مفاجآت كثيرة، وهذا هو الفصل الأول من المشهد السياسي، من خلال كشف بعض الفاسدين مثل وكيل وزير النفط عدنان الجميلي،
فلكل فاسد علاقة مع كبار الفاسدين أو الحيتان الكبيرة، على سبيل المثال نور زهير، المسؤول عن سرقة القرن كما تم وصفه في العراق، وزع سرقته على شريحة كبيرة من الشركاء بمليارات الدولارات، وحين تم كشف السرقة بأكثر من ملياري دولار، طلب في حال عودته إلى بغداد، عقد مؤتمر صحافي لفضح المسؤولين الكبار الذين شاركوه بتقسيم السرقة، وحينها تركوه خارج العراق، والآن هو طليق في إحدى الدول”.

