شفقنا العراق-يفتح مشروع قانون استرداد عائدات الفساد والمساعدة القانونية الدولية مساراً تشريعياً جديداً لملاحقة الأموال المهربة إلى الخارج، عبر توسيع صلاحيات التعقب والحجز والتجميد والمصادرة والتعاون مع الدول الأجنبية.
ويقول الخبير القانوني علي التميمي إن “قانون استرداد عائدات الفساد هو مشروع قانون قدمته رئاسة الجمهورية إلى مجلس النواب، بهدف تنظيم ملاحقة واستعادة الأموال التي خرجت من العراق بتهم فساد”.
ويضيف، أن “أهمية القانون تتمثل في أثره المالي المباشر، إذ تدخل الأموال المستردة ضمن الإيرادات الأخرى للموازنة، وفي الوقت نفسه يسهم استردادها في وقف نزيف الفساد وتقليل كلفة الإنفاق، حيث إن التقديرات المتداولة لحجم الأموال المهربة تتراوح بين 60 و300 مليار دولار، فيما قدرها رئيس الجمهورية السابق بنحو 150 مليار دولار”.
ويتابع التميمي، أن “المشروع يوفر آليات أوسع للملاحقة، إذ يستهدف كل من شغل منصب مدير عام فما فوق منذ عام 2004، ويشمل تعقب الأموال داخل العراق وخارجه، ومصادرة العائدات والممتلكات التي تحولت إليها الأموال، فضلاً عن فرض الكشف عن أرصدة المسؤولين وأزواجهم وأبنائهم”.
ويلفت إلى أن “الحكومة فتحت حساباً خاصاً لإيداع الأموال المستردة، بهدف ضمان عدم ذوبانها وتوجيهها إلى المستشفيات والطرق والرعاية الاجتماعية”، مبيناً أن “وزارة المالية أكدت ضرورة أن تضمن أي تسوية استيفاء كامل حقوق الخزينة، وأن تكون ملزمة وقابلة للتنفيذ”.
صلاحيات واسعة للتعقب
ويؤكد التميمي “وجود تنسيق دولي في هذا الملف، إذ أعلنت هيئة النزاهة حجز كميات كبيرة من الأموال في الخارج بالتنسيق مع وزارة العدل لإقامة دعاوى مدنية، فيما شهدت المدة بين عامي 2025 و2026 استرداد أكثر من 3 ملايين دولار من لبنان و20، بحسب المعلومات الواردة”.
ويرى، أن “القانون يحول عملية الاسترداد من إجراءات متفرقة بين قوانين العقوبات والنزاهة والكسب غير المشروع إلى إطار موحد يمنح صلاحيات أسرع وأوسع في التعقب والتجميد والمصادرة”.
تسييس القانون الجديد
وفي ما يتعلق بضمانات عدم استخدام القانون في الاستهداف أو التصفية السياسية، يقر الخبير القانوني بأن “هذه المسألة تمثل أكبر نقاط القلق، ولا سيما أن القانون لم يدخل حيز التنفيذ بعد”، مشيراً إلى أن “قانون أصول المحاكمات يكرس قرينة البراءة ويمنع التوقيف المطلق، ويشترط أن يكون التوقيف إجراء احترازياً وليس عقوبة مسبقة”.
ويردف، أن “الخبراء يطالبون بمعايير مشددة للإفراج في قضايا الفساد الكبرى، ترتبط بجسامة المبلغ وخطر الهرب وإمكانية التأثير على الشهود، لذا الحذر من الخلط بين استرداد الأموال والعقوبة”.
وينبه إلى أن “تعديل قانون العفو لعام 2025 أتاح تسوية بعض جرائم الفساد عند إعادة المبلغ، فيما يرى منتقدون أن ذلك قد يخلق مخاطرة محسوبة للفاسد، بحيث يحتفظ بالأموال إذا نجح، ويعيدها إذا فشل، في حين تؤكد وزارة المالية أن أي الية للتسوية يجب ألا تلغي المساءلة”.
ويشدد التميمي على ضرورة “توحيد الإجراءات وتعزيز الشفافية فهما يمثلان جزءاً أساسياً من الضمانات المطلوبة، إذ يرى خبراء قانونيون ضرورة وجود قانون موحد يضع ضوابط واضحة للتسوية والرقابة ويمنع تضارب الإجراءات، وإلا ستبقى المعالجات مجزأة وخاضعة لتقديرات جهات مختلفة”.
مخاوف وتحديات
ويعترف الخبير القانوني بـ”وجود مخاوف واقعية من تحول ملف استرداد الأموال إلى أداة في الصراع السياسي، في ظل ما يصفه مراقبون بغياب إرادة سياسية موحدة والخشية من الاقتراب من جهات متنفذة، فضلاً عن تحفظ بعض الحكومات على أسماء فاسدين استجابة لكتل سياسية”.
ويميل إلى أن “الضمان الحقيقي لمنع الاستهداف السياسي لا يكمن في النص وحده، وإنما في استقلال القضاء، ووضع ضوابط واضحة للتسوية، ونشر الأسماء والقرارات”.
وعن أبرز العقبات التي تواجه تطبيق القانون، يوضح التميمي أن” العراق يواجه داخلياً تضارباً في التشريعات، إذ يخضع الاسترداد حالياً لقوانين العقوبات والنزاهة والكسب غير المشروع والعفو، الأمر الذي يؤدي إلى تباين الإجراءات، فضلاً عن طول مدة التقاضي التي تتراوح في الملف الواحد بين سنتين وسبع سنوات بسبب تعقيدات الإثبات”.
حماية قانونية دولية
خارجياً، ينوه التميمي إلى أن “أغلب الدول تشترط وجود حكم قضائي بات داخل العراق قبل تنفيذ إجراءات الاسترداد، فيما تطلب بعض الدول اتفاقيات ثنائية، خصوصاً أن أموالاً كثيرة خرجت بطريقة أصولية قبل استثمارها في دول لا ترتبط مع العراق باتفاقيات بهذا الشأن”.
ويكمل، أن “تمويه الأموال بأسماء شركات وهمية أو أشخاص آخرين يزيد صعوبة تعقبها، خاصة أن القوانين الداخلية ليست لها قيمة تنفيذية خارج العراق، ما يستوجب إكساء الأحكام العراقية الصيغة التنفيذية في الدولة الأجنبية عبر محام أجنبي”.
ويرى، أن “الآليات المتاحة حتى الآن ليست كافية، في ظل محدودية الأموال المستردة فعلياً، التي تتراوح بين 20 و40 مليون دولار من أوروبا، فيما لا تزال ملفات كبيرة، من بينها ملف بقيمة مليار و706 ملايين دولار من مدان في الأردن، قيد التنفيذ”.
ويختتم الخبير القانوني حديثه بالإشارة إلى أن “تقريراً للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أكد امتلاك العراق الأسس القانونية والمؤسسية اللازمة، إلا أن الأولوية تتمثل في جعل عملية استرداد الأموال منهجية ومنسقة وقابلة للإنفاذ، بما يجعل أهمية القانون مرتبطة بقدرته على استعادة الأموال وردع الفساد وإعادة الثقة بالدولة، مع بقاء الأحكام الباتة والاتفاقيات الدولية وتمويه الأموال والإرادة السياسية من أبرز التحديات أمام تطبيقه”.

