شفقنا العراق- تعود إعادة بناء الصناعة العراقية إلى الواجهة مع تصاعد الضغوط لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، في وقت لا تزال فيه آلاف المنشآت الصناعية متوقفة أو تعمل بطاقة محدودة، وسط دعوات إلى استثمار الطاقات الإنتاجية المعطلة وتحويلها إلى رافعة للنمو الاقتصادي.
شدد مختصون على ضرورة إعادة بناء الصناعة العراقية لتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتوفير فرص العمل، وتشغيل الطاقات المحلية لتحقيق تنمية مستدامة وحماية اقتصاد البلد من الأزمات العالمية، مشيرين إلى أنه الارتقاء بالصناعة يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل الاستيراد، ويسهم بتشغيل الأيدي العاملة وينشط القطاعين الزراعي والخدمي ويعظم الإيرادات غير النفطية.
القطاع الصناعي الخاص
وبخصوص مساهمة القطاع الخاص في إعادة بناء الصناعة العراقية، أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، أن القطاع الصناعي العراقي الخاص أثبت قدرته على الصمود والاستمرار في أصعب الظروف، مبيناً أنه أدى في عقدي السبعينيات والثمانينيات، فضلاً عن أعوام الحصار الاقتصادي، دوراً مهماً في توفير العديد من السلع والمستلزمات الأساسية للسوق المحلية، رغم ما واجهه من قيود إدارية وفنية وصعوبات في الحصول على التمويل والدعم اللازمين.
وقال صالح، : إن العراق يضم حالياً أكثر من 21 ألف معمل وشركة صناعية مكتملة التأسيس ومسجلة لدى الجهات المختصة بالتنمية، إلا إن نسبة كبيرة منها متوقف أو يعمل بطاقة إنتاجية محدودة بسبب جملة من المعوقات، في مقدمتها عدم استقرار وتجهيز الطاقة الكهربائية، وصعوبة الحصول على التمويل اللازم لاستيراد المواد الأولية والمعدات، وضعف البيئة الاستثمارية، إضافة إلى سياسة الاستيراد غير المنظمة التي أدت إلى إغراق الأسواق المحلية بمنتجات أجنبية منخفضة الكلفة لا تلتزم دائماً بالمواصفات الفنية ومتطلبات الجودة والسلامة العامة والبيئية.
وأضاف أن استمرار هذا الواقع أدى إلى فقدان العراق جزءاً مهماً من قدرته الإنتاجية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وإضعاف فرص توفير العمل،
مشيراً إلى أن إعادة تشغيل هذه المنشآت الصناعية وتمكينها من العمل بكفاءة يمكن أن تمثل فرصة اقتصادية كبيرة، إذ توفر ما لايقل عن 150 ألف فرصة عمل مباشرة، فضلاً عن فرص العمل غير المباشرة في القطاعات السائدة مثل النقل والصيانة والتصليح والخدمات والتجهيز والتوزيع، كما سينعكس ذلك على تحسين مستوى معيشة مئات الآلاف من المواطنين وتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي وزيادة إيرادات الدولة.
إستراتيجية صناعية
ولفت إلى أن مشكلة الصناعة العراقية لا تقتصر على توقف بعض المعامل، بل ترتبط بازمة هيكلية أعمق تتمثل في غياب إستراتيجية صناعية وطنية طويلة الأمد ذات أهداف واضحة وقابلة للتنفيذ، فضلاً عن عدم استقرار السياسات الاقتصادية وضعف التنسيق بين الجهات المسؤولة عن التنمية الصناعية،
موضحاً أن الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، أدى إلى ترسيخ الاقتصاد الريعي وإضعاف الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية، وجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة للتأثير بتقلبات الأسواق العالمية.
وتابع الخبير الحكومي أن ضعف النظام المصرفي وعدم قدرته على توفير التمويل الصناعي المناسب، حدَّ من قدرة المصانع على تحديث خطوط الإنتاج والتوسع، منبهاً إلى أن الصناعة المحلية تواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج نتيجة مشكلات الطاقة الكهربائية والرسوم والضرائب، إلى جانب المنافسة غير المتكافئة مع المنتجات المستوردة التي تدخل الأسواق دون توفير حماية كافية للمنتج الوطني.
واستطرد صالح أنه من الناحية الفنية، تعاني العديد من المنشآت الصناعية من تقادم اللآلات والمعدات، وضعف استخدام التكنولوجيا الحديثة، ونقص برامج التطوير ونقل المعرفة الفنية، فضلاً عن ضعف البنى التحتية الصناعية وسلاسل التجهيز، مؤكداً أن للظروف الأمنية والسياسية التي مر بها العراق لها أثر كبير في تدمير جزء من البنية التحتية الصناعية وهجرة عدد من الكفاءات والخبرات الفنية التي تمثل رصيداً أساسياً لأي مشروع نهوض صناعي.
الأراضي الصناعية
وبغية معالجة هذه التحديات، شدد صالح على أهمية إعادة دراسة وتفعيل قرار مجلس الوزراء الصادر في 4 حزيران 2024 بشأن تمليك الأراضي الصناعية للقطاع الخاص، باعتباره خطوة مهمة في معالجة واحدة من أبرز العقبات التي تواجه الصناعيين، موضحاً أن مشكلة الأراضي الصناعية تشكل عائقاً أمام استقرار وتوسع العديد من المصانع المشمولة بقانون التنمية الصناعية، الأمر الذي يتطلب إعادة فحص آليات تنفيذ القرار وتقييم معوقاته وإعادة عرضه على مجلس الوزراء بصيغة أكثر فاعلية.
وبين أن إعادة بناء الصناعة العراقية تتطلب رؤية وطنية شاملة تتجاوز المعالجات الجزئية، تقوم على إعادة تعريف دور الصناعة باعتبارها قطاعاً إستراتيجياً مرتبطاً بالأمن الاقتصادي والاجتماعي،
منوهاً بأن ذلك يتطلب وضع إستراتيجية صناعية مستقرة، وتوفير بيئة تشريعية واستثمارية داعمة، وتطوير النظام المصرفي لتمويل المشاريع الإنتاجية، وضمان استقرار الطاقة، وتنظيم الاستيراد وفق معايير تحقق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المنتج المحلي.
وخلص إلى أن مستقبل الصناعة العراقية لا يعتمد على توفير الموارد فقط، بل على وجود قرار اقتصادي واضح وإرادة سياسية قادرة على تنفيذ مشروع وطني طويل الأمد، مؤكداً أن العراق يمتلك المقومات الأساسية للنهوض الصناعي، ومايحتاجه هو إدارة هذه المقومات ضمن رؤية متكاملة تعيد الثقة بالإنتاج الوطني وتضع الصناعة في موقعها الطبيعي كأحد محركات النمو والتنمية المستدامة.

