شفقنا العراق-تكشف أزمة السيولة عن اختلال هيكلي في المالية العراقية أكثر من كونها مجرد فجوة نقدية مؤقتة، مع اعتماد يفوق 90% على الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق التشغيلي إلى مستويات كبيرة.
تتجه السياسة المالية في العراق نحو تطبيق ثلاثية معالجة تعتمد على ضبط الإنفاق، وإدارة الدين الداخلي، ورفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى 45% لردم فجوة التدفقات النقدية، وسط استبعاد رسمي لطباعة العملة، وتأكيدات اقتصادية بوجود 97 مليار دولار كاحتياطي أجنبي يحمي البلاد من الإفلاس.
وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن المعالجة الأساسية لأزمة السيولة تدور حول “ثلاثية ترشيد الإنفاق، وأدوات الدين والإدارة النقدية، وزيادة الإيرادات”.
ثم أكد أن «طباعة العملة» ليست في الوقت الراهن الخيار المطروح لتمويل الالتزامات الحكومية. وأوضح صالح أن تمويل الإنفاق عبر إصدار نقد جديد بلا مقابل مقيد قانونياً بموجب قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، ويحمل مخاطر تضخمية عالية قد تضعف القوة الشرائية للدينار وتخلق ضغوطاً نقدية واسعة.
وشدد صالح على أهمية التفريق الدقيق بين أزمة السيولة العابرة والعجز المالي الهيكلي؛ إذ إن مواجهة فجوة مؤقتة في التدفقات النقدية تتطلب أدوات إدارة سيولة واقتراضاً قصير الأجل، بينما يتطلب العجز المستمر إصلاحاً مالياً يوازن بين الإنفاق والإيرادات.
ونبّه صالح إلى أن المعالجة الأكثر أماناً تقوم على حزمة متكاملة تشمل ضبط الإنفاق غير الضروري، تحسين الإيرادات غير النفطية، وحماية الاحتياطيات النقدية لضمان عدم تحويل أزمة السيولة إلى أزمة مالية أعمق.
التدفقات الدولارية
وحول التدفقات الدولارية والشحنات الخارجية، كشف صالح أن رقم 500 مليون دولار لشحنات الدولار هو المتاح حالياً دون وجود رقم رسمي مؤكد لزيادة شهرية جديدة.
ولفت إلى أن الحكومة تعمل على ضمان استمرار وصول أموال العراق الدولارية الموجودة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لتغذية النظام المصرفي والسوق المحلي، وهي توفر متنفساً نقدياً مهماً لكنها لا تعالج بمفردها العجز المالي إذا بقيت النفقات التشغيلية أعلى من الإيرادات.
وأعلن المستشار المالي أن الإجراءات النقدية الداعمة قادرة على توفير متنفس سريع لشراء الوقت، لكن ظهور نتائج ملموسة في إسناد المالية العامة يحتاج إلى عدة أشهر، بينما يتطلب تحقيق إصلاح مالي مستدام سنوات من العمل المتدرج.
وكشف صالح أن الركيزة الأساسية للخروج من الأزمة تستهدف رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية من مستوياتها الحالية التي تقارب 10% إلى نحو 45% على المدى المستهدف لإعادة هيكلة الاقتصاد وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وفي المقابل، تؤكد القراءات التحليلية للمشهد الاقتصادي أن نجاح معالجة أزمة السيولة يتوقف على تحويل المسارات الإصلاحية من قرارات عاجلة إلى معالجات هيكلية تمس طبيعة الإنفاق التشغيلي.
وقال المتخصص بالشأن الاقتصادي، جليل اللامي، إن خطة المعالجة الميدانية تفرض التوجه نحو حزمة خيارات واقعية تبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وتأجيل المشاريع غير الضرورية، مروراً بالتوسع في أدوات الاقتراض الداخلي عبر حوالات الخزينة والسندات الحكومية، وصولاً إلى تعزيز الجباية الإلكترونية وتطوير النظام الضريبي والكمركي.
وبَيّن اللامي أن أزمة السيولة كشفت عن خلل واضح في إدارة التدفقات النقدية دون أن تعني الإفلاس المالي، لكون العراق يمتلك حائط صد نقدياً يتمثل في احتفاظه باحتياطيات أجنبية تصل إلى نحو 97 مليار دولار، إضافة إلى ما يقارب 130 طناً من الذهب.
إلا أن المشكلة المعقدة تكمن في الارتفاع الحاد للإنفاق التشغيلي، إذ تستنزف الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية أكثر من 80 تريليون دينار سنوياً، مع اعتماد الموازنة بنسبة تتجاوز 90% على النفط.
واستعرض الاقتصادي مسار المعالجة عبر القطاع النفطي، مشدداً على ضرورة الإسراع في استعادة الصادرات النفطية لطاقتها القصوى عبر الاستفادة من الاتفاق العراقي التركي الأخير لتفعيل التعاون بين شركة (سومو)، ونفط الشمال، وشركة بوشكاش التركية. كما جزر بتحذيره من أن اللجوء إلى طباعة العملة يمثل خياراً مجرداً من الأمان الاقتصادي لأنه يرفع التضخم دون إنتاج حقيقي.

