شفقنا العراق- بينما تعمل بغداد على إصلاح القطاع المصرفي وتشديد معايير الحوكمة، تبرز فرصة لاستقطاب مصارف خليجية تمتلك رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا، لكن هذه الفرصة تصطدم بمخاوف المستثمرين من النفوذ السياسي وضعف حماية الاستثمارات.
تناول تقرير لمركز (AGBI) البريطاني للدراسات والتحليلات الاقتصادية وضع القطاع المصرفي والمالي في العراق ومحاولات الحكومة العراقية والبنك المركزي العمل على تشديد قواعد الحوكمة الخاصة بالمصارف الأهلية وإصلاح المصارف الحكومية،
في وقت أشار فيه خبراء إلى أن إصلاحات القطاع المصرفي في البلد قد تفتح الباب أمام استثمارات من مصارف خليجية وإقليمية في مجال الإقراض وتمويل المشاريع، محذرين في الوقت نفسه من أن استمرار حالات الفساد والنفوذ السياسي وعدم وجود ضمانات، ستشكل عقبات رئيسية أمام جذب الاستثمارات الأجنبية.
وأشار التقرير إلى أن بغداد تعمل على تشديد قواعد الحوكمة الخاصة بالمصارف الأهلية في إطار حملة مستمرة لمكافحة الفساد أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
ويضم العراق نحو 60 مصرفاً محلياً، بينها سبعة مصارف حكومية، إضافة إلى عدد من المصارف الأجنبية التي تمتلك فروعاً داخل البلاد.
وبلغت قيمة الائتمان النقدي الذي قدمته المصارف الحكومية، والذي يشمل القروض والسلف والسحب على المكشوف، 57.5 تريليون دينار عراقي (44 مليار دولار) حتى شهر مايو/أيار، أي ما يقارب أربعة أخماس إجمالي الائتمان المصرفي البالغ 73.2 تريليون دينار.
هيمنة المصارف الحكومية
هبة عبد الوهاب، باحثة مقيمة في واشنطن، قالت إن هيمنة المصارف الحكومية حدّت من المنافسة وأبطأت تطوير قطاع مالي متنوع يتمتع بالمصداقية على المستوى الدولي.
وأضافت: “لا يتمثل التحدي الذي يواجه العراق في تقليص دور المصارف الحكومية، بل في بناء قطاع مصرفي خاص يتمتع بالشفافية، وحسن الإدارة، ويعمل وفق أسس تجارية، ويلتزم بالكامل بالمعايير المصرفية الدولية.”
ووفقاً لأحدث البيانات السنوية للبنك المركزي، بلغت نسبة القروض إلى الودائع في القطاع المصرفي 48% خلال عام 2024، وهي أقل بكثير من الحد التنظيمي الأقصى البالغ 75%، ما يشير إلى وجود قدرة كبيرة على توسيع الإقراض.
وقال الخبير الاقتصادي أحمد الطبقجلي، كبير الاستراتيجيين في صندوق (AFC Fund) العراق: “لدينا عدد كبير جداً من المصارف مقارنة بعدد السكان الذين لا يزال معظمهم خارج النظام المصرفي.”
وأضاف: “القروض تمثل جزءاً صغيراً جداً من أعمال معظم المصارف. وأكبر فرصة أمام المصارف الأجنبية التي ترغب في دخول العراق هي توسيع الإقراض للأفراد والشركات الصغيرة والشركات الكبرى، إذ إن مستويات الاقتراض لا تزال منخفضة للغاية.”
وأشار إلى أن القروض المشتركة لتمويل مشاريع البنية التحتية تمثل أيضاً فرصة كبيرة، لأن المصارف العراقية تفتقر عادة إلى قاعدة ودائع تمكنها من تمويل المشاريع الضخمة بمفردها.
وتعود عبد الوهاب وتقول: “إن ضعف الحوكمة، والفساد، وعدم تطور الإطار القانوني الخاص باسترداد الديون، كلها عوامل تزيد من المخاطر المالية.”
منح القروض
وأضافت: “ونتيجة لذلك، تصبح المصارف أكثر حذراً في منح القروض، وهو ما يحد من الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص ويبطئ النمو الاقتصادي.”
وفي المقابل، بلغ حجم الإقراض لدى المصرف الأهلي العراقي، الذي تمتلك كابيتال بنك الأردنية الحصة الأكبر فيه، 1.9 تريليون دينار عراقي (1.5 مليار دولار) خلال عام 2024، وهو ما يقارب ضعف حجم الإقراض لدى ثاني أكبر مصرف أهلي.
وأوضح الطبقجلي أن هذا المصرف يشكل حالة استثنائية؛ لأنه بدأ التركيز على نشاط الإقراض منذ سنوات طويلة، قبل معظم منافسيه.
وقد تخلق اللوائح الجديدة فرصاً إضافية، إذ أصبح لزاماً على المصارف أن يكون لديها مستثمر مؤسسي مؤهل كمساهم رئيسي، وهو ما يعني عملياً وجود مؤسسة مالية أجنبية راسخة، بحسب الطبقجلي.
وقال: “المصارف التي تملكها أو تسيطر عليها عائلات أو رجال أعمال مرتبطون بالاقتصاد السياسي من غير المرجح أن تتمكن من البقاء على المدى الطويل، لأنه من الصعب جداً عليها الوفاء بمتطلبات الحوكمة الجديدة.”
وأشار التقرير إلى أن مصارف عدة من الشرق الأوسط تعمل في العراق أو تمتلك حصصاً في مصارف عراقية، من بينها بنك قطر الوطني، وبنك الكويت الوطني، وبيت التمويل الكويتي، وبنك الأردن الكويت، بينما تمتلك مصارف أخرى فروعاً داخل العراق.

