شفقنا العراق-مع استمرار أزمة الرواتب، تتزايد المخاوف من انتقال آثارها من الخزينة إلى الأسر والأسواق. ويحذر اقتصاديون من أن استمرار التأخير سيقود إلى ارتفاع المديونية وتراجع الاستهلاك، بينما تبقى المالية العامة مكشوفة أمام تقلبات عائدات النفط واضطراب الإيرادات.
بدأت آثار تأخر الرواتب تظهر بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين وحركة الأسواق، فمع دخول الأزمة يومها الأربعين، لا تزال رواتب عدد من موظفي الدولة عالقة وسط أزمة السيولة، فيما تتراكم الإيجارات والفواتير والديون.
وبين موظف يضطر إلى الاقتراض لتأمين حاجات أسرته، ومواطن يقلل مشترياته، وبائع ينتظر الزبائن، تتسع دائرة الضغوط الاقتصادية التي أثقلت المواطن والسوق معا.
«لو كان بيتي مستأجرا من شخص لا أعرفه لربما طردني من المنزل بعد يومين من تأخر الإيجار، فهو أيضا لديه التزامات!»، يقول موظف الدولة سرمد العلي، واصفا حجم الضغوط التي يعيشها مع تأخر راتبه لأكثر من شهر.
ويضيف العلي أن تأخر الراتب وضعه أمام خيارات صعبة، بينها الاستدانة من الأقارب والأصدقاء وتأجيل دفع بعض الالتزامات، في وقت لم يعد فيه الراتب، حتى عند صرفه في موعده، كافيا لتغطية متطلبات الحياة اليومية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل والإيجارات وبقية تكاليف المعيشة.
ويقول إن المشكلة تتفاقم بسبب عدم معرفة موعد صرف الراتب، ما يجعل الأسرة عاجزة عن ترتيب مصروفها والتزاماتها،
مضيفا: «صرنا نشتري الضروريات فقط وبكميات قليلة، ونؤجل كل شيء يمكن تأجيله»، ومبينا أن الديون بدأت تتراكم عليه مع استمرار تأجيل الالتزامات.
ويبلغ عدد الموظفين في الدولة أكثر من 4 ملايين و200 ألف موظف، ويتجاوز عدد المتقاعدين 3 ملايين، إلى جانب أكثر من 3 ملايين حالة ضمن شبكة الحماية الاجتماعية، فيما يقدر إجمالي الالتزامات السنوية في موازنة 2025 بنحو 90 تريليون دينار.
جدولة الرواتب
وذكر النائب حسين عرب أن «الوزارة مضطرة لجدولة الرواتب باعتبار مضيق هرمز وتصدير النفط، والموازنة أغلبها تعتمد على تصدير النفط بنسبة 90 في المائة»، مبينا أن «جدولة الرواتب يستهدف الفئات الهشة منها، المتقاعدين وموظفين ذو الدخل المحدود».
ويعرب عرب عن اعتقاده بأن الأزمة قد تتجه إلى الانفراج في حال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، معتبرا أن ذلك قد يسهم في استقرار حركة تصدير النفط العراقي وعودة الإيرادات إلى مسارها الطبيعي.
ويؤكد أن أزمة السيولة لن تستمر وأن الوضع الاقتصادي سيشهد تحسنا، قائلا إن «العراق قيمته التصديرية تبلغ أكثر من 4 مليون و500 ألف برميل نفط باليوم».
وأشار عرب إلى وجود «أزمة سلم الرواتب، وعدم تناسق بعض الرواتب مع بعض الوزارات وبعض التنظيمات الوزارية»، لافتا إلى أن «الحلول تتمثل بتنويع مصادر الدخل والتصدير، إصدار دينار إلكتروني، حلول يمكن الاستفادة منها مستقبلا».
ويرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن «تأخر الرواتب لا ينبغي التعامل معه على أنه أزمة سيولة عابرة فقط، بل مؤشر على خلل أعمق في إدارة المالية العامة، خصوصا مع ارتفاع النفقات التشغيلية وضعف الإيرادات غير النفطية واستمرار اعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على العائدات النفطية».
تراجع الإيرادات
ويتحدث عيد عن تراجع الإيرادات واضطراب التدفقات النقدية، مؤكدا أن ذلك انعكس سريعا على «قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وفي مقدمتها الرواتب، وهذا يكشف هشاشة الهيكل المالي أكثر مما يظهر نقصا مؤقتا في النقد».
وبشأن تأثير تأخر الرواتب على الأسواق، يبين أن «استمرار تأخرها يضغط مباشرة على القدرة الشرائية، لأن شريحة واسعة من النشاط التجاري والخدمي في العراق تعتمد على إنفاق الموظفين والمتقاعدين، وكل تأخير يعني تراجع الطلب على السلع والخدمات وتأجيل المشتريات وزيادة التعثر في سداد الإيجارات والأقساط والديون».
ويتوقع عيد الوصول إلى حالة من الركود أو التباطؤ الواضح في حال استمرار الوضع لفترات أطول، محذرا من أن ذلك سيؤدي إلى أزمة خانقة، وأن قطاعات التجزئة والمطاعم والنقل والعقارات والخدمات والمشاريع الصغيرة ستكون من أكثر المتضررين.
ويتطرق عيد إلى الحلول التي يراها واقعية، مؤكدا أنها تتمثل «بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وضبط النفقات غير الضرورية وتعظيم الإيرادات غير النفطية وتحسين الجباية والكمارك ومكافحة الهدر والفساد، مع إدارة أفضل للسيولة الحكومية على مدار السنة».
ويتابع: «أما جدولة الرواتب على فترات متباعدة فقد توفر متنفسا مؤقتا للخزينة، لكنها ليست حلا اقتصاديا سليما لأنها تنقل الأزمة من الحكومة إلى الأسر والأسواق، وتؤدي إلى تراجع الاستهلاك وزيادة المديونية والضغوط الاجتماعية».

