شفقنا العراق-أزمة الرواتب في الجامعات العراقية تتجاوز حسابات الأجور المتأخرة، لتفتح نقاشاً حول قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية والحفاظ على الثقة العامة.
بعد مرور 47 يوماً من دون صرف الرواتب، دخل الأكاديميون والموظفون في مختلف الجامعات العراقية، منذ الأربعاء الماضي، في اعتصام مفتوح أمام مباني جامعاتهم احتجاجاً على تأخر صرف الرواتب.
ولم تقتصر مطالب المعتصمين على صرف الرواتب، بل تشمل أيضاً احتساب الشهادات العليا والعلاوات والترفيعات والخدمة الوظيفية والأجور، إلى جانب حقوق وظيفية أخرى يقولون إنها ما زالت معلقة.
حق أم منحة؟
ويؤكد المتخصص في مجال القانون المدني في الجامعة العراقية ماجد المجباس أنه “في الأنظمة الديمقراطية، الشعب هو مصدر السلطة، لكنه يفوض ممثلين منتخبين بإدارة شؤون الدولة. ومن هنا تأتي فكرة العقد الاجتماعي التي تنظم الحقوق والواجبات بين المواطن والدولة”.
ويضيف “وبالنظر إلى الدستور العراقي، نجد أن الحقوق والحريات تمثل محوراً أساساً، لكن ممارسة هذه الحقوق تحتاج إلى موارد مالية. فالحق في الحياة والصحة والسكن والتعليم والخدمات يرتبط بقدرة الدولة المالية. والراتب ليس منحة من الدولة، بل هو حق مقابل العمل وفق مبدأ الأجر مقابل العمل. أما سياسات التوظيف والتقاعد فهي مسؤولية الدولة التي تضع خطط الوظيفة العامة وتتحمل نتائجها”.
ويمضي المجباس فيقول، “الرواتب لا تمثل التزاماً تجاه الموظف فحسب، بل تؤثر في الاقتصاد من خلال تحريك الأسواق وزيادة القدرة الشرائية. ويبقى المواطن ملتزماً تجاه الدولة حتى عند وجود تقصير، لأن استيفاء الحقوق بالقوة يتعارض مع دولة القانون. وفي المقابل، تبقى الدولة ملزمة بالوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين. وتكشف أزمة الاقتصاد الريعي في العراق أهمية تنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد الكامل على النفط، لأن مستقبل الدولة لا يمكن أن يبقى مرتبطاً بمورد واحد”.
ضعف مؤسسات الدولة
من جانبها تقول المهتمة بالشأن السياسي هيام الخزاعي “للأسف، يواجه العقد الاجتماعي في العراق تحديات كبيرة منذ عام 2003 وحتى اليوم، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، والمحاصصة السياسية والطائفية، وضعف الخدمات وتفاوت مستواها بين المحافظات”.
وتضيف، “أعتقد أن العلاقة بين المواطن والدولة تحتاج إلى إعادة بناءً على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، بما يحقق الثقة المتبادلة بين الطرفين، ويضمن صون الحقوق وأداء الواجبات، ويسهم في بناء مجتمع سليم ودولة متطورة”.
أزمة مؤسسات أم قيم؟
على خلفية الأزمة، يشير المتخصص في علم الاجتماع فاروق الدباغ إلى أن “الصراع القيمي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي، نتيجة التداخل بين منظومات قيمية متعددة، واختلاف النظرة إلى الدولة والمجتمع والعلاقة بين الفرد والجماعة”.
ويلفت الانتباه إلى أن “هذا الصراع يظهر في العلاقة بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية، وبين المواطنة والانتماءات الطائفية والقومية والعشائرية، وبين سيادة القانون والأعراف الاجتماعية، وبين تطلعات الشباب إلى العدالة وبين استمرار ممارسات الواسطة والمحسوبية، فالمشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في غياب إطار جامع يحول التنوع إلى مصدر قوة. فالمجتمع المستقر هو الذي يبني قيماً مشتركة تقوم على المواطنة وسيادة القانون وقبول الاختلاف”.
وفيما يتعلق بإمكان أن تتغير القيم بتغير المصالح، يقول الدباغ “في العراق، لا تتغير مواقف بعض الناس دائماً نتيجة القناعة أو الالتزام القيمي، بل قد تتغير تبعاً للمصلحة. فإذا أنصفهم القانون أصبحوا من المدافعين عن الدولة، وإذا تعارض القانون مع مصالحهم عادوا إلى الاحتماء بالهويات الفرعية كالعشيرة أو الطائفة أو الحزب. المشكلة ليست في وجود الدولة أو العشيرة، وإنما في غياب منظومة قيم ثابتة تجعل احترام القانون مبدأ لا يتغير بتغير الظروف، إضافة إلى أن استخدام التبريرات الدينية أحياناً لتغطية هذه التحولات يزيد من تعقيد الأزمة، لأن القيم تتحول إلى أدوات لتبرير السلوك بدلاً من أن تكون مرجعاً أخلاقياً ثابتاً”.
إعادة بناء العقد الاجتماعي
ويؤكد السياسي وعضو تيار الحكمة الوطني سامي الجيزاني أنه بعد أكثر من عقدين من التحولات، يحتاج العراق إلى إعادة صياغة عقد اجتماعي ينسجم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فالتنوع القومي والديني والثقافي يمثلان مصدر قوة إذا جرت إدارتها بعقلية وطنية تقوم على المواطنة، وليس على الانقسام، إضافة إلى أن دخول أجيال جديدة إلى الحياة العامة، لم تعش مرحلة ما قبل عام 2003، يفرض بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على الحقوق المتساوية.
ويقول، “أثبتت التجارب الوطنية، ومنها مواجهة تنظيم ’داعش’، أن العراقيين قادرون على تجاوز الانقسامات عندما تواجه البلاد خطراً مشتركاً، إضافة إلى أن الدستور، بوصفه قانوناً وضعياً، يبقى قابلاً للمراجعة والتطوير بما ينسجم مع تطور المجتمع وحاجاته، وتبقى المواطنة هي الأساس لبناء الدولة، كما تظهر في اللحظات الجامعة، ومنها التفاف العراقيين حول المنتخب الوطني لكرة القدم، حيث تتراجع الهويات الفرعية أمام الهوية العراقية المشتركة”.

