شفقنا العراق-يكشف تصاعد تداول الأخبار المفبركة والمعلومات المضللة في العراق عن مشكلة تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تتداخل فيها مسؤولية المؤسسات الحكومية مع تأثير الصراع السياسي والإعلامي، بينما يؤدي غياب الإفصاح المبكر إلى منح الشائعات مساحة أكبر للانتشار والتأثير.
تحولت الشائعات في العراق من أخبار عابرة أو معلومات غير دقيقة تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى انعكاس واضح لهشاشة المشهد السياسي وعمق التناحر بين قوى السلطة، في ظل غياب الشفافية وتأخر المؤسسات الرسمية في تقديم المعلومات للرأي العام.
وفيما تحذر جهات حكومية من خطورة الأخبار المفبركة والمضللة، فإن الصراعات السياسية والإعلامية تسهم في توفير بيئة خصبة لانتشارها، ولا سيما مع نشاط جيوش إلكترونية مرتبطة بقوى سياسية، تعمل على تضخيم روايات معينة وتوجيه الرأي العام وتشويه الخصوم، ما يجعل الشائعة في كثير من الأحيان جزءاً من معركة سياسية تتجاوز حدود تداول المعلومات إلى التأثير في المجتمع وزعزعة الثقة بالمؤسسات والدولة.
وتؤكد وزارة الداخلية رصد حملات تعتمد الأخبار المفبركة والمقاطع القديمة والمعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، داعية المواطنين إلى اعتماد المصادر الرسمية في استقاء المعلومات، في وقت باتت فيه سرعة تداول المحتوى الرقمي قادرة على تحويل معلومة غير دقيقة إلى قضية رأي عام خلال وقت قصير.
مشكلة مركبة
وبينما ترى المؤسسة الأمنية أن جزءاً من هذه الحملات يقف وراءه سعي لإرباك الرأي العام والتأثير في الأمن المجتمعي، يطرح مختصون ومراقبون جانباً آخر من المشكلة يتعلق بمستوى الشفافية شبه المعدوم لدى مؤسسات الدولة وسرعة الإفصاح الحكومي عن المعلومات وسعيها لاحتكارها.
ومن هنا، لا تبدو معركة مواجهة الشائعات مرتبطة فقط بملاحقة مروجي الأخبار الكاذبة، وإنما تتصل أيضاً بقدرة مؤسسات الدولة على سد الفراغ المعلوماتي، وتعزيز ثقة المواطن بالمصدر الرسمي، ومنع تحول الصراعات السياسية والإعلامية إلى وقود يغذي الشائعات ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في المجتمع.
ليست أزمة معلومات فقط..
وفي هذا الصدد، قال الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي: إن ارتفاع مستوى الشائعات في العراق، ينبغي النظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها ضعف التواصل المؤسساتي وغياب الشفافية والإفصاح الاستباقي عن المعلومات، إلى جانب حالة الصراع والتنافس السياسي التي تنعكس بصورة واضحة على البيئة الإعلامية والرقمية.
واضاف التميمي أن مؤسسات الدولة تتحمل الجزء الاكبر والمهم من مسؤولية اتساع مساحة الشائعات، لعدم الشفافية، او احتكار المعلومة، مبيناً أن المعلومة عندما لا تأتي من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب، فإن الفراغ الناتج عنها سيُملأ تلقائياً بمصادر أخرى، قد لا تكون دقيقة أو محايدة.
وتابع أن الشفافية لا تعني فقط إصدار البيانات ونفي الأخبار بعد انتشارها، وإنما تعني أن تكون المؤسسات الحكومية قادرة على توفير المعلومات للرأي العام بصورة منتظمة وواضحة، وأن تتعامل مع الإعلام باعتباره شريكاً في نقل المعلومة وليس طرفاً ينبغي حجبها عنه.
وشدد على انه كلما تراجعت قدرة المؤسسات على التواصل الفعال، ازدادت مساحة الاجتهاد والتأويل، وبذلك ارتفعت فرص انتشار الأخبار المضللة والشائعات.
وأشار إلى أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تتداخل مع الصراع السياسي، لافتاً إلى أن التنافس بين القوى السياسية لا يقتصر على المؤسسات والفضاء السياسي، بل يمتد إلى المجال الإعلامي والرقمي، حيث تمتلك القوى المختلفة أدوات ومنصات قادرة على إنتاج الروايات وتضخيمها وتوجيهها بما يخدم مصالحها السياسية.
مجرد معلومة غير دقيقة
وبيّن التميمي أن الشائعة في هذه الحالة قد تتحول من مجرد معلومة غير دقيقة إلى أداة للضغط السياسي أو تشويه الخصوم، خصوصاً عندما يجري انتقاء جزء من معلومة صحيحة أو تسريبها خارج سياقها، ثم إعادة إنتاجها إعلامياً بطريقة تؤدي إلى تكوين انطباع معين لدى الجمهور.
ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تسريع هذه العملية، لأن طبيعة الفضاء الرقمي تقوم على سرعة التداول والتفاعل، وغالباً ما تنتشر المعلومة المثيرة قبل أن تتمكن المؤسسات المعنية من التحقق منها أو تقديم روايتها الرسمية، ما يجعل تصحيح المعلومة لاحقًا أكثر صعوبة من منع الالتباس منذ البداية.
وأكد التميمي أن ارتفاع الشائعات لا يمثل، في تقديره، أزمة معلومات فقط، بل يظهر أزمة أعمق تتمثل بأزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فعندما يفقد المواطن ثقته بالمصدر الرسمي، فإنه يصبح أكثر استعداداً لتصديق مصادر بديلة، حتى وإن كانت غير موثوقة، خصوصاً إذا كانت تلك المصادر تقدم رواية تتوافق مع مخاوفه أو توقعاته.
وختم بالقول: إن الشائعات تزدهر في بيئة يغيب فيها الوضوح وتضعف فيها الثقة، ولذلك فإن الحل الحقيقي يبدأ من معالجة أسبابها البنيوية، وفي مقدمتها فجوة المعلومات بين مؤسسات الدولة والمجتمع، فضلاً عن الحد من توظيف الإعلام والفضاء الرقمي في الصراع السياسي، بما يعيد للمعلومة الرسمية مكانتها باعتبارها مصدرًا موثوقًا للرأي العام.

