شفقنا العراق- تحولت منصات التواصل إلى مساحة نشطة لعرض المزارع والشاليهات بأسعار مغرية، لكن خلف بعض هذه الإعلانات حسابات مجهولة تستغل الصور والتقييمات المفبركة للحصول على العربون، ثم تختفي بعد إتمام عملية الدفع.
لم تدرك أسرة أبو محمد أن شغفها باستئجار مزرعة سينتهي بالنصب والاحتيال، كغيرها من الأسر التي تتابع صفحات تأجير المزارع بحثاً عن مكان يقضي أفرادها فيه يوماً ممتعاً هرباً من حرارة الصيف، قررت أسرة أبو محمد استئجار مزرعة في إحدى ضواحي بغداد.
شجعه أفراد عائلته على البحث عن مزرعة تناسب إمكاناته المادية، وتحقق رغبة أطفاله في الاستمتاع بمسبح واسع وأجواء ترفيهية، وبعد ساعات من تصفح صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، عثر على صفحة تعرض مزرعة بمواصفات وأسعار مناسبة، فراح يتفحص الصور ويقرأ تعليقات المتابعين التي بدت مطمئنة، ما شجعه على التواصل مع صاحب الإعلان.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، أصبحت المزارع مقصداً للكثير من العائلات، رغم أن أسعارها تصل إلى 500 ألف دينار للشيفت الواحد، وقد تبلغ مليون دينار لليوم الكامل، ومع تزايد الإقبال على استئجار المزارع والمنتجعات، انتشرت صفحات وحسابات وهمية تعرض حجوزات بأسعار مغرية مقابل تأمينات تصل إلى نصف المبلغ قبل الحجز، شريطة الدفع الإلكتروني والاحتفاظ بوصل الدفع المسبق.
صفحات وهمية
أكمل أبو محمد حديثه بغصة قائلاً: “ما إن حاولت التواصل مع أصحاب الإعلان المروّج، رد شاب في مقتبل العمر، بدأ يشرح الشروط بعد استفسارات كثيرة عن المكان، طلب إرسال نسخة من الهوية عبر تطبيق واتساب، مع دفع مبلغ تأمين يعادل نصف قيمة الإيجار، أي نحو 200 ألف دينار، بحجة أن المزرعة تشهد ضغطاً كبيراً في الحجوزات، بعد إلحاح كبير من عائلتي استجبت لمتطلباته لدفع المبلغ عبر تطبيق إلكتروني وإرسال وصل التحويل، ثم تلقيت رسالة لتأكيد الحجز، إلى جانب تفاصيل الحضور وعدد الأشخاص وساعة المغادرة، ما عزز ثقتي بأن كل شيء يسير بصورة طبيعية”.
شهدت منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة المتلاحقة إقبالاً كبيراً على التبضع واستعمال البطاقات الإلكترونية مقابل استحصال الخدمات والبضائع، لكن سرعان ما قابل هذا التطور الرقمي الملحوظ صفحات وحسابات وهمية اتخذت من التطور فضاءً رقمياً لاستهداف أموال المواطنين تحت طائلة الربح السريع.
مواقع مفبركة
يعود أبو محمد بذاكرته إلى ذلك اليوم، متذكراً كيف ظل يتابع صفحة المزرعة التي استأجرها بشغف، بانتظار صور جديدة، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان، بدأت الصور تختفي الواحدة تلو الأخرى، ثم اختفت الصفحة بالكامل، وأصبح الحساب غير متاح. حاولت مراسلة الشخص، إلا أن الرسائل بقيت دون رد، فيما كان الهاتف خارج نطاق التغطية.
وفي صباح موعد الحجز، توجّه أبو محمد مع عائلته إلى الموقع المرسل، ليكتشف أن الموقع غير حقيقي، وأن الصور كانت مفبركة، وأنه لم يكن الضحية الوحيدة، إذ التقى بأسر أخرى تعرضت لعملية النصب والاحتيال نفسها، بعد أن دفعت مبالغ مالية كتأمين للحجز.
من الناحية القانونية، تقول المحامية شيرين زنگنه : “إن استيلاء شخص على أموال الغير باستعمال وسائل الاحتيال وانتحال الصفة أو تقديم معلومات غير صحيحة يندرج ضمن جريمة «النصب والاحتيال»، وبذلك يستوجب المساءلة القانونية وفق أحكام المادة (456) من قانون العقوبات العراقي”.
مشيرة إلى أن الوعي هو خط الدفاع الأول لعملية النصب والاحتيال، لذلك يجب عدم تحويل أي مبلغ إذا لم يتم التأكد من هوية صاحب المزرعة وطلب صور مباشرة أو بث مباشر مع الموقع، فضلاً عن تجنب التحويل إلى حسابات مجهولة، بالإضافة إلى الاحتفاظ بجميع المحادثات وإيصالات الدفع كأدلة مهمة عند تقديم شكوى، وأخيراً لا تجعل رغبتك في الحجز السريع سبباً لخسارة أموالك واستغلالك من قبل أصحاب النفوس الضعيفة التي وجدت من منصات التواصل الاجتماعي منفذاً للتحايل.
كوميديا سوداء
لم تكن عائلة أبي محمد الوحيدة التي وقعت ضحية النصب والاحتيال، فقد تداولت منصات التواصل عن تحايل صاحب «حساب وهمي» على أكثر من عشر عائلات في يوم واحد، حيث قامت إحدى هذه الصفحات الوهمية بعرض «مزرعة فخمة» للإيجار اليومي بسعر مغرٍ جداً.
ولم يكتفِ صاحب التحايل بضحية واحدة، بل قام بـ«تأجير» المزرعة لعدة عائلات في اليوم نفسه، واستلام المبلغ المالي عبر الدفع الإلكتروني. وللإعراب عن صدق نيته، أرسل (Location) المزرعة الحقيقي، التي اتضحت فيما بعد أنها مزرعة تابعة لشخص آخر لا علاقة له بالموضوع، وقد استعملها كطُعم للاستيلاء على أموال المواطنين.
وما إن حل موعد الحجز، التقت العائلات العشر عند باب المزرعة، وكل منهم يحمل بين يديه إيصالاً يثبت الحجز، وبعد عدة محاولات من قبل العائلات لمعرفة من يملك الدخول أولاً أمام الأبواب التي ما زالت موصدة أمامهم، حتى شرعت أبواب المزرعة، بذهول صاحب المزرعة الحقيقي، وهو يحاول إقناعهم بأنه لم يعرض مزرعته للإيجار، وأنها مزرعة خاصة لعائلته وليست للإيجار، وأن ما حدث شكّل صدمة له وللعائلات العشر التي وقفت تندب حظها العاثر، في حين سجّل المحتال نجاح عمليته بإغلاق الصفحة والهاتف، ليخطط لاحتيال آخر تقع ضحيته عائلات تسير على سرب الحجز دون الوعي بمخلفات ما ينتظرهم لاحقاً.

