شفقنا العراق- يفتح قرار التدقيق القبلي للعقود الحكومية الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاح الإداري، تقوم على مراجعة الأسعار والمواصفات والإجراءات قبل التعاقد لضمان حماية الأموال العامة.
ويأتي القرار في مرحلة تشهد توسعاً في حجم الإنفاق الحكومي، سواء في مشاريع البنى التحتية أو الخدمات أو الإعمار، مما يزيد من أهمية وجود أدوات رقابية قادرة على حماية الأموال العامة وضمان حسن إدارتها.
ويرى متخصصون أن اعتماد التدقيق القبلي يكشف تحولاً في فلسفة الإدارة الحكومية، إذ إن غالبية حالات الفساد التي شهدها العراق خلال العقدين الماضيين اكتشفت بعد توقيع العقود أو بعد تنفيذ المشاريع، عندما تكون الأموال قد صُرفت أو أصبحت عملية استعادتها أكثر تعقيداً، مما يجعل الرقابة اللاحقة أقل قدرة على منع الهدر مقارنة بالرقابة الوقائية.
ويعتمد التدقيق القبلي على مراجعة جميع الجوانب القانونية والمالية والفنية للعقد قبل توقيعه، بما يشمل سلامة إجراءات الإحالة، ودقة المواصفات، وعدالة الأسعار، ومدى الحاجة الفعلية للمشروع، وتوفر التخصيصات المالية، فضلاً عن التأكد من عدم وجود ثغرات يمكن استغلالها لاحقاً.
الإدارة العامة
ويؤكد خبراء الإدارة العامة أن هذا النوع من التدقيق معمول به في كثير من الدول التي نجحت في الحد من الفساد المالي، إذ أصبحت الرقابة جزءاً من عملية اتخاذ القرار، وليست مجرد مرحلة لاحقة للمحاسبة.
وفي العراق، شهدت الأعوام الماضية تسجيل ملاحظات رقابية متكررة تتعلق بعقود حكومية تضمنت مغالاة في الأسعار أو ضعفاً في المواصفات أو مخالفات في إجراءات الإحالة، مما أدى إلى تعثر مشاريع خدمية وخسارة مبالغ كبيرة من المال العام، فضلاً عن إحالة كثير من الملفات إلى القضاء وهيئة النزاهة.
ويرى مراقبون أن معالجة هذه الإشكالات من جذورها قد تكون أكثر فاعلية من الاقتصار على ملاحقة المسؤولين عنها بعد أعوام من توقيع العقود.
خطوة إصلاحية مهمة
ويقول المحلل الاقتصادي محمد الجميلي، إن اعتماد التدقيق القبلي للعقود يمثل خطوة إصلاحية مهمة إذا ما جرى تنفيذها بصورة مهنية بعيداً من التعقيدات الإدارية، مضيفاً أن العراق ينفق سنوياً مليارات الدولارات على مشاريع استثمارية وخدمية، لذا فإن تقليل نسبة الهدر، ولو بمعدل بسيط، يمكن أن يوفر مبالغ كبيرة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
ويشير إلى أن كثيراً من حالات الفساد لا تبدأ بسرقة الأموال بصورة مباشرة، وإنما بعقد يتضمن أسعاراً أعلى من قيمتها الحقيقية أو مواصفات غير دقيقة، لذلك فإن مراجعة العقد قبل توقيعه تعد خط الدفاع الأول عن المال العام.
ويؤكد الجميلي أن نجاح التجربة يتطلب إنشاء قواعد بيانات وطنية للأسعار المرجعية، بحيث تتمكن الجهات الرقابية من مقارنة كلف المشاريع بالأسعار الحقيقية في السوق المحلية والعالمية، مما يقلل من فرص تضخيم الكلف.
أبرز المكاسب المتوقعة
من جانبه يرى المتخصص في القانون علي الربيعي أن القرار ينسجم مع مبادئ الحوكمة الرشيدة والإدارة الحديثة، لأنه يوفر حماية قانونية للموظف العام قبل أن يوقع العقد، ويمنع وقوع المخالفات التي قد تعرضه للمساءلة مستقبلاً.
ويقول إن الرقابة الوقائية تختلف عن الرقابة العقابية، فالأولى تساعد الإدارة على تصحيح الأخطاء قبل وقوعها، بينما تركز الثانية على تحديد المسؤوليات بعد حدوث المخالفة، مما يجعل الوقاية أقل كلفة وأكثر فاعلية.
ويضيف أن نجاح التدقيق القبلي يعتمد على سرعة الإنجاز، لأن تأخير الموافقات قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع الحكومية، لذلك فإن تحديد سقوف مالية للعقود الخاضعة للتدقيق يمثل خطوة ضرورية لضمان عدم إرهاق الأجهزة الرقابية بعقود صغيرة لا تستوجب هذا المستوى من المراجعة.
ويشير الربيعي إلى أن نجاح التجربة يحتاج أيضاً إلى تحديث التشريعات والتعليمات التنفيذية بما يضمن وضوح الصلاحيات بين الوزارات وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، تجنباً لأي تداخل في الاختصاصات.
بعيداً من المصالح
في المقابل، يواجه القرار مجموعة من التحديات، أبرزها الحاجة إلى كوادر متخصصة تمتلك خبرات قانونية وهندسية ومالية، إضافة إلى ضرورة تطوير الأنظمة الإلكترونية الخاصة بإدارة العقود، ووضع مدد زمنية محددة لإنجاز عمليات التدقيق حتى لا تتحول الرقابة إلى عامل يعرقل تنفيذ المشاريع.
ونجاح التجربة يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الوزارات والجهات الرقابية، وتبادل المعلومات بصورة فورية، فضلاً عن توفير الإرادة السياسية الكافية لضمان استقلالية الأجهزة الرقابية وعدم إخضاعها لأي ضغوط أو اعتبارات خارج الأطر القانونية.
ويرى مراقبون أن توجيه رئيس الوزراء بإبعاد ديوان الرقابة المالية عن المحاصصة السياسية، واعتماد الكفاءة والنزاهة والحياد في عمله، يمثل رسالة مهمة لتعزيز استقلالية المؤسسة، باعتبارها أحد أهم أركان حماية المال العام.
ويشير هؤلاء إلى أن استقلالية الأجهزة الرقابية تمثل شرطاً أساساً لنجاح أي إصلاح مالي، لأن الرقابة الفاعلة تحتاج إلى قرارات مهنية تستند إلى القانون بعيداً من الضغوط السياسية أو المصالح الحزبية.

