شفقنا العراق-الاتفاقيات الاستثمارية العراقية فتحت الباب أمام آمال اقتصادية واسعة بعد توقيع تفاهمات كبرى في مجالات الطاقة والنقل والصناعة، لكنها تواجه تساؤلات بشأن قدرة بغداد على تحويل هذه التعهدات إلى مشاريع فعلية على الأرض.
تواجه الحكومة العراقية اختباراً معقداً في مساعيها لتحويل الاتفاقيات الاستثمارية إلى مشاريع على أرض الواقع، مع تصاعد التساؤلات بشأن قدرة الدولة على توفير بيئة آمنة تحمي الاستثمارات الأجنبية، في ظل التطورات الأمنية الأخيرة، ولا سيما مع استهداف دول الجوار من داخل الأراضي العراقية، والضغوط التي تواجه مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
ويأتي ذلك بعدما أعلنت بغداد توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أميركية ودولية بقيمة تقارب 60 مليار دولار، وأبرمت خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا حزمة تفاهمات جديدة شملت الطاقة والنقل وطريق التنمية والتعاون الاقتصادي، بالتزامن مع طرح 65 فرصة استثمارية في قطاعات النفط والغاز، والصناعة والإسكان والخدمات.
غير أن نجاح هذه المشاريع لا يرتبط بحجم الاتفاقيات الموقعة فحسب، بل بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وحصر السلاح المنفلت وحماية البنية التحتية، وهي معايير تضعها الشركات العالمية في مقدمة تقييمها لمخاطر الاستثمار، خصوصاً في مشاريع الطاقة التي تمتد استثماراتها لعقود.
الاستثمارات وتقييم المخاطر
في هذا السياق، قال رئيس مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، إن العراق يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، فالحكومة نجحت خلال الأشهر الماضية في توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات مع شركات عالمية لتطوير قطاعات النفط والغاز والطاقة، لكن المرحلة الأصعب تبدأ بعد التوقيع، لأن المستثمر يبحث عن ضمانات فعلية لاستقرار بيئة العمل واستمرار الإنتاج.
وأضاف، أن مشاريع الطاقة والنقل والمشاريع الاستراتيجية الأخرى تختلف عن بقية القطاعات، إذ تمتد عقودها لعشرات السنين، وتستثمر فيها الشركات مئات الملايين أو مليارات الدولارات، ولذلك فإن أي تصعيد أمني أو استهداف للبنية التحتية ينعكس مباشرة على تقييم المخاطر وخطط التنفيذ.
وأوضح أن العراق يمتلك احتياطيات وثروات تضعه بين أهم الدول الجاذبة للاستثمار، إلا أن هذه الميزات وحدها لم تعد كافية في ظل المنافسة الإقليمية، فالشركات تقارن بين العراق ودول أخرى في المنطقة من حيث مستوى الاستقرار، وكفاءة حماية المنشآت، وسرعة الاستجابة للأزمات، وقدرة الدولة على ضمان استمرار الإنتاج وسلاسل الإمداد من دون انقطاع.
وأشار إلى أن شركات الطاقة الكبرى تقيّم المخاطر قبل اتخاذ قرار الاستثمار وتراقب قدرة الحكومات على إدارة الأزمات وحماية المنشآت، وأن استمرار أي تهديدات يرفع كلف التأمين والحماية ويؤخر التنفيذ.
وبيّن الموسوي أن نجاح الحكومة في فرض الأمن وحماية البنية التحتية للطاقة خلال المرحلة المقبلة سيكون رسالة عملية للأسواق العالمية بأن العراق قادر على تنفيذ الاتفاقيات، واستمرار التحديات من دون معالجات سيؤثر في وتيرة تدفق الاستثمارات.
بحث عن بيئة آمنة
من جانبها، قالت عضو لجنة الاستثمار والتنمية في مجلس النواب العراقي، منى العبيدي، إن أي استثمار، سواء كان محلياً أو أجنبياً، يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مستقرة وآمنة، مؤكدة أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين، لأن رأس المال يبحث عن سيادة القانون قبل البحث عن الأرباح.
وأضافت، أن المستثمر يقيّم مستوى المخاطر الأمنية وقدرة الدولة على حماية المشاريع والعاملين فيها وضمان تنفيذ العقود، مشيرة إلى أن استهداف منشآت الطاقة والمرافق الاقتصادية والهجمات على دول الجوار من الأراضي العراقية يرفع كلف الاستثمار والتأمين ويدخل البلد في دوامة التهديد الاقتصادي، وقد يدفع بعض الشركات إلى إعادة تقييم خططها أو تأجيل تنفيذ مشاريعها.
وأوضحت العبيدي، أن العراق يمتلك فرصاً استثمارية كبيرة في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية، إلا أن استثمار هذه الفرص يتطلب تعزيز الاستقرار الأمني، وفرض سيادة القانون، وحصر السلاح المنفلت بيد الدولة، ومحاسبة المتورطين بزعزعة أمن وسيادة البلد، بما يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين ويعزز قدرة البلاد على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
ضمانات أمنية وسيادية
ويرى مختصون أن نجاح الحكومة في استقطاب الاستثمارات لن يقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة أو قيمة الفرص الاستثمارية المعلنة، وإنما بقدرتها على توفير الضمانات الأمنية والسيادية التي تمنح المستثمرين الثقة ببيئة الأعمال، في ظل استمرار التحديات الأمنية وتأثيرها المباشر في قرارات الشركات العالمية.
وقال الخبير الاقتصادي صفوان قصي إن العراق لم يعد يتنافس اليوم على استقطاب استثمارات جديدة فحسب، بل على الحفاظ على الثقة بالاستثمارات القائمة، التي تجاوز حجمها 114 مليار دولار، بينها 67 مليار دولار استثمارات أجنبية، وهو ما يجعل الاستقرار الأمني عاملاً حاسماً في حماية هذه المشاريع واستمرار تدفق رؤوس الأموال.
وأضاف أن المستثمر الدولي لا يتعامل مع الأحداث باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما يربطها بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وحماية المشاريع الاستراتيجية. لذلك فإن أي مؤشرات على تعثر مشروع حصر السلاح أو تراجع سلطة الدولة تنعكس مباشرة على تقييم المخاطر، وهو ما قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في جداول التنفيذ أو طلب ضمانات إضافية قبل ضخ استثمارات جديدة.
وبيّن أن أخطر ما قد يواجه العراق اليوم هو فقدان موقعه على خريطة المنافسة الإقليمية لأن رؤوس الأموال العالمية تتحرك بسرعة بين الأسواق، وإذا شعرت بأن تنفيذ المشاريع في العراق أصبح أكثر تعقيداً، فإنها ستتجه إلى دول منافسة تمتلك المشاريع نفسها، ولكن بمخاطر أقل.
وشدد قصي على ضرورة محاسبة كل من يهدد الأمن الاقتصادي الوطني أو يتسبب بالإضرار ببيئة الاستثمار، مؤكداً أن العراق بحاجة إلى إرسال رسائل واضحة للشركات العالمية تؤكد قدرته على توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن تنفيذ الاستثمارات واستدامتها.

