شفقنا العراق-الصداقة لم تعد مجرد علاقة شخصية تجمع بين الأفراد، بل أصبحت قيمة إنسانية تتبناها الأمم المتحدة بوصفها إحدى أدوات ترسيخ السلام وتعزيز الحوار بين الشعوب.
يـُحتفل باليوم العالمي للصداقة في 30 تموز من كل عام، وقد اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011 بقرار أممي يدعو إلى ترسيخ ثقافة السلام ونزع فتيل العنف والكراهية بواسطة الصداقة بين الشعوب والأفراد.
فالصداقة لا تقوم على أساس علاقات شخصية مجردة، بل لكونها منظومة قيمية إنسانية واجتماعية تسهم في تعزيز الاحترام المتبادل والتضامن مع الثقافات والأديان والعقائد، وبناء جسور الحوار بغياب لغة السلاح والصراعات والخلافات.
وفي عالم يشهد أزمات وحروبًا واستقطابات متزايدة، تكتسب الصداقة بُعدًا يتجاوز العلاقات الفردية، لتصبح رسالة إنسانية حضارية تدعو إلى التقارب ونبذ الكراهية، وإعلاء قيمة الإنسان بوصفه شريكًا في بناء مستقبل أكثر أمنًا وعدلًا، فالصداقة لغة سلام ومحبة، وهي الاستثمار الإنساني الذي لا يخسر، وقوة ناعمة لبناء الاستقرار والملاذ الآمن للإنسان.
في الوقت ذاته، أكدت دعوات نيابية أهمية ترسيخ ثقافة الصداقة والحوار بين الشعوب، بوصفها إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الأمن المجتمعي والاستقرار الدولي، بالتزامن مع احتفاء الأمم المتحدة باليوم العالمي للصداقة، في رسالة تؤكد أهمية التقارب الإنساني ونبذ الكراهية والتطرف.
إلى ذلك، قالت رئيس لجنة التربية والتعليم النيابية، النائب زليخة بكار: إن العالم اليوم أكثر حاجة إلى تعزيز قيم السلام والتعايش المشترك في ظل ما يشهده من نزاعات وأزمات، مبينة أن “الصداقة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل تمثل وسيلة فاعلة لتقريب الشعوب وبناء الثقة بين المجتمعات المختلفة”.
وأضافت أن “نشر ثقافة الحوار بين الثقافات والأديان يسهم في ترسيخ مبادئ التسامح والاحترام المتبادل، ويحد من خطابات الكراهية والتعصب”، مؤكدة أن “العراق يمتلك إرثًا حضاريًا وثقافيًا يؤهله ليكون نموذجًا في التعايش والتنوع”.
وأوضحت بكار أن “بناء جسور التعاون بين المجتمعات يبدأ من ترسيخ قيم الصداقة داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية والثقافية، وصولًا إلى تعزيز العلاقات بين الدول على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”، مشيرة إلى أن “هذه المبادئ تنعكس إيجابًا على الاستقرار والتنمية”.
ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للصداقة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأكيدًا على أن الصداقة بين الأفراد والشعوب والثقافات يمكن أن تكون مصدر إلهام لجهود السلام، وأن الحوار والتفاهم يمثلان الطريق الأمثل لمعالجة الخلافات وتعزيز التضامن الإنساني.
وأكدت أن “هذا اليوم يشكل مناسبة لتشجيع المبادرات المجتمعية التي تجمع الشباب من مختلف الخلفيات الثقافية، وتعزز قيم التطوع والتعاون والانفتاح، بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة، فضلًا عن دعم الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ ثقافة السلام والتنمية المستدامة”.
مدخل للشفاء
الدكتور أسعد شريف الإمارة، الأستاذ في علم النفس، بيّن مدى تأثير الجانب النفسي بقوله: “تشكل الروابط الاجتماعية بين الناس أقدم وأوثق صلة عبر التاريخ، فالقول السيكولوجي بأن الناس بحاجة إلى الناس هو أصدق ما يقال، فالبشر يقدم كل منهم للآخر أعظم المسرات في كل المواقف الحياتية، في الأفراح والأتراح”.
الصداقة، كما يؤكد الإمارة، “عنوان المساندة الاجتماعية، وربما لا نجافي الحقيقة كثيرًا حينما نقول إنها المدخل النفسي للشفاء، فضلًا عن التخفيف من شدة ضغوط الحياة اليومية. فالصديق في وقت الضيق، لذلك تكون ردود أفعاله متلائمة مع شدة الموقف واشتداد الحاجة إليه، أو المساندة بكل أنواعها”.
وأضاف الإمارة أن “علاقة الصداقة تبدأ بالإعجاب، ونحن نعرف أن البشر انتقائيون في اختيارهم للصديق، وما يجذب الفرد لشبيهه يحدده تبادل الإعجاب”. ويفضل البعض الجاذبية والإعجاب بالجانب الخلقي والقيمي والأسري، الذي يُولد الارتياح لتكوين روابط الصداقة، والحقيقة النفسية ترى أن إعجاب الشخص يتزايد تدريجيًا، فإن انجذابك نحوه يزيد ويقوى بنفس الدرجة باستمرار”.
ديمومة الحياة
ويرى التربوي حسين الحمداني بأن الصداقة هي الرابطة التي توحد الناس وتجعلهم أقرب لبعضهم البعض، وهي مبنية على تفاعلات إنسانية وليست مصالح شخصية،
لافتًا إلى أن الاحتفاء بهذه المناسبة يشكل نقطة مهمة جدًا في التاريخ الإنساني، لكون الصداقة هي أسمى العلاقات التي من شأنها أن تزيل الأحقاد وتنزع فتيل الكراهية وسوء الفهم، وهي علاقات قائمة، كما أشرنا، على مشاعر وعواطف، وليست مصالح أو روابط عمل، بل هي علاقات تراكمية تمتد مع عمر الإنسان، وقد تتوارثها الأجيال اللاحقة بطريقة أو بأخرى، وهذا ما ينعكس على المجتمع بصورة إيجابية في ديمومة الحياة، بعيدًا عن الصراعات والخلافات.
احتفاء بالصدق
من جانبه، قال الباحث والأكاديمي محمد الواضح إن تخصيص يوم عالمي للصداقة يمثل ترسيخًا لمبادئها النبيلة، وتأكيدًا لدورها في توثيق أواصر المحبة بين الشعوب، وتعزيز التفاهم الإنساني والتنوع الثقافي. كما تسهم الصداقة في نشر ثقافة السلام واللاعنف، وتفتح آفاق الحوار بين الحضارات، بما يرسخ قيم التعايش والاحترام المتبادل. “والصديق الحق هو من يصدقك القول ويخلص لك النصح، لا من تضطرك الظروف إليه”.
وأضاف الواضح: “لعل أسمى النماذج التي تجسد هذا المعنى ما تجلّى في صداقة المتصوفين الكبار، وفي مقدمتهم جلال الدين الرومي وشمس تبريزي، إذ تجاوزت صداقتهما حدود المألوف لتغدو رحلةً في المعرفة والمحبة والصفاء الروحي، حتى قال الرومي: (من جهة تبريز أضاءت شمس الحق، فهتفت بها: نورك بالكل متصل، ومنفصل أيضًا).
ليس الاحتفاء بالصداقة احتفاءً بعلاقة اجتماعية فحسب، بل هو احتفاءٌ بقيمة الصدق التي تُشكِّل جوهرها؛ فمن أصول الألفاظ تتولد المعاني، فالصداقة مشتقة من الصدق؛ إذ تقوم على صدق النصيحة، ووفاء الإخاء، وصيانة العهد، وهي الأسس التي تنهض عليها منظومة القيم الإنسانية الرفيعة”.

