شفقنا العراق-تسلط أزمة تعثر المشاريع الرياضية الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بإدارة الاستثمار في قطاع الشباب، حيث تتقاطع ضائقة التمويل مع تراجع الاهتمام بالمرافق المجتمعية المجانية.
كشفت وزارة الشباب والرياضة أن أزمة السيولة وغياب تمويل الخطة الاستثمارية لعامين متتاليين عطّلا استكمال المشاريع الرياضية في بغداد والمحافظات.
في المقابل، يرى متخصصون ورياضيون أن التوجه الحكومي نحو الاستثمار العقاري والتجاري على حساب الأراضي المخصصة للرياضة أدى إلى تقليص المساحات العامة وحرمان ابناء المناطق الشعبية ومحدودي الدخل من ممارسة هواياتهم ورعاية مواهبهم.
وقال المتحدث باسم الوزارة، حسام حسن، إن عددا كبيرا من مشاريع الوزارة ما يزال متلكئا ومجمدا بسبب الأزمة المالية التي يمر بها البلد، موضحا أن الوزارة لم تحصل على أي تمويل للخطة الاستثمارية في موازنتي 2024 و2025، ما أدى إلى توقف الأعمال الميدانية في المشاريع قيد التنفيذ.
وأضاف حسن أن الوزارة قدمت مطالبات رسمية لتخصيص نحو 600 مليار دينار لإكمال المشاريع المتلكئة ورفع نسب الإنجاز فيها، إلا أن المبلغ الذي حددته وزارة التخطيط ضمن موازنة عام 2025 لم يتجاوز 35 مليون دينار، معتبرا أنه مبلغ شكلي لا يتناسب مع حجم الاحتياجات الفعلية والالتزامات المترتبة على تلك المشاريع.
وأوضح أن انقطاع التمويل انعكس مباشرة على الشركات المنفذة، وأجبرها على إيقاف أعمالها وتأخير إنجاز المنشآت، ما أثر سلبا في تنفيذ خطط الوزارة وبرامجها، وأخّر استفادة الوسطين الرياضي والشبابي من هذه المرافق.
وفي مقابل الطرح الحكومي بشأن جفاف التخصيصات، ينتقد معنيون بالشأنين الرياضي والتربوي غياب التخطيط الاستراتيجي، وتمدد ظاهرة تجريف المساحات الرياضية المفتوحة واستثمارها.
التوجه الاستثماري التجاري
وشدد مدير مدرسة جمولي الكروية، الكابتن كريم العراقي على أن التوجه الاستثماري التجاري الذي تتبناه الدولة في إدارة الأراضي والمنشآت الرياضية تسبب في تقلص المساحات المخصصة للشباب، وحوّل الرياضة من حق اجتماعي متاح للجميع إلى خدمة مدفوعة الثمن لا يستطيع الوصول إليها إلا من يمتلك القدرة المالية.
وقال العراقي إن غالبية القطع والأراضي التي كان يمكن تخصيصها لتشييد ملاعب ومنشآت تخدم الفئات الهشة جرى توزيعها للاستثمار العقاري والتجاري، معتبرا أن غياب التخطيط طويل الأمد حال دون تطوير قطاع الرياضة بما يلبي طموحات الشباب ويحتضن مواهبهم.
وبيّن أن الضرر لم يقتصر على الملاعب الكبيرة، بل امتد إلى مراكز الشباب التي كانت تشكل فضاء حيويا لاحتضان الطاقات الرياضية والفنية والاجتماعية، وتضم أقساما متخصصة للموهوبين، لافتا إلى أن معظم تلك المراكز تحول بدوره إلى مشاريع استثمارية ربحية، ما أدى إلى تراجع دورها المجتمعي.
وأشار العراقي إلى أن المتبقي اليوم يقتصر على ملاعب خماسية صغيرة ومدارس كروية محدودة تقدم خدمات مجانية، في حين تعتمد غالبية الأكاديميات والملاعب الحديثة نظام الاشتراكات الشهرية المدفوعة، ما يضع الأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل أمام عوائق مالية تحرمهم من ممارسة هواياتهم.
وتساءل مدير المدرسة الكروية: «إذا كان الطفل يحتاج إلى دفع المال لممارسة كرة القدم، فأين يذهب الفقير؟»، مؤكدا أن مسؤولية توفير المنشآت والمساحات المجانية تقع قانونيا وأخلاقيا على عاتق الدولة ومؤسساتها الرسمية.
وأضاف العراقي أن الاستثمار لا ينبغي أن يكون على حساب الدور الاجتماعي والمؤسساتي للمنشآت، موضحا أن الدول ذات الاقتصادات الرأسمالية تحرص على توفير المرافق العامة والرياضية مجانا أو مقابل رسوم رمزية تتيح لمختلف الطبقات الاستفادة منها.

