شفقنا العراق- الاستثمارات الأجنبية أصبحت على المحك بعد توقيع العراق عشرات الاتفاقيات مع الولايات المتحدة، وسط تأكيدات بأن المستثمرين يترقبون خطوات عملية في الإصلاح الإداري والأمني قبل الانتقال إلى تنفيذ المشاريع.
رغم الحصيلة الاقتصادية الكبيرة التي خرجت بها زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة، بإعلان توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم وشراكة بقيمة تقارب 60 مليار دولار، فإن الطريق أمام هذه المشاريع لا يبدو مفروشاً بالورود وحدها.
وبينما تراهن الحكومة على أن تشكل الاتفاقيات نقطة تحول في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية، يرى متخصصون أن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الاتفاقيات من مرحلة التوقيع إلى التنفيذ، مؤكدين أن المستثمر الأجنبي لا يبني قراره على حجم الأرقام المعلنة بقدر ما ينظر إلى استقرار بيئة الأعمال، وحماية الشركات، وضمان تنفيذ العقود بعيداً عن التعقيدات الأمنية والإدارية.
وفي العراق، لا تزال هذه الملفات تواجه تحديات مع استمرار السلاح خارج إطار الدولة، والبيروقراطية، والفساد، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية على مستقبل الاستثمارات، ولا سيما تلك التي تقودها شركات أميركية ودولية كبرى.
وتضع هذه المعطيات حكومة الزيدي أمام اختبار لا يقل أهمية عن توقيع الاتفاقيات نفسها، إذ إن نجاحها لن يقاس بقيمة الاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة تحول مذكرات التفاهم إلى مشاريع قائمة، وتمنح المستثمرين الثقة بأن العراق بات قادراً على حماية استثماراتهم وإبعادها عن التجاذبات السياسية والأمنية.
وفي السياق، يرى مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم يمثل خطوة مهمة في مسار الانفتاح الاقتصادي وتعزيز العلاقات الاستثمارية، إلا أن الأثر الحقيقي لهذه الاتفاقيات سيعتمد على مدى تحويلها من وثائق تفاهم إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ.
وقال صالح إن هذه المذكرات تعكس الرغبة في توسيع التعاون الدولي واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، وترسل رسائل إيجابية إلى المستثمرين والأسواق العالمية بشأن تحسن البيئة الاستثمارية، موضحاً أن دخول الشركات الدولية إلى السوق العراقية سيسهم في نقل التكنولوجيا والخبرات ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية وخلق فرص عمل، فضلاً عن دعم جهود تنويع الاقتصاد.
وأضاف أن ترسيخ ثقة المستثمرين يتطلب إصلاحات حقيقية تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وضمان حماية المستثمرين، وتوفير الاستقرار التشريعي والأمني، مؤكداً أن المستثمر الأجنبي لا ينظر إلى حجم الاتفاقيات وحده، بل إلى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها وتوفير بيئة أعمال مستقرة، وأن نجاح الاتفاقيات سيكون مرهوناً بسرعة الانتقال إلى مرحلة التنفيذ وإزالة العقبات.
قرارات الاستثمار وتقييم المخاطر
وقال الباحث الاقتصادي أحمد صباح إن المستثمر الأميركي لا يتعامل مع العراق بوصفه سوقاً واعدة فحسب، بل يضعه أيضاً ضمن بيئة تتأثر بعوامل جيوسياسية معقدة، وهو ما يجعل قرارات الاستثمار مرتبطة بتقييم مستمر للمخاطر أكثر من ارتباطها بحجم الفرص المتاحة.
وأضاف صباح أن الشركات الكبرى تراقب بصورة دقيقة قدرة الحكومة العراقية على حماية المشاريع من أي تأثيرات سياسية أو أمنية، ومدى استقلال القرار الاقتصادي عن التجاذبات الداخلية والإقليمية في ظل استمرار تهديدات بعض الفصائل وامتناعها عن تسليم أسلحتها للدولة.
ولفت صباح أنّ مثل هذه المؤشرات قد لا تؤدي بالضرورة إلى انسحاب المستثمرين من مواقع عملهم بشكل مباشر، لكنها تدفعهم إلى إعادة تسعير المخاطر، ورفع كلف التأمين والتمويل، وهو ما يقلل من الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع.
وأضاف أنّ الحكومة مطالبة خلال المرحلة المقبلة بإرسال رسائل عملية إلى الأسواق العالمية، بواسطة إجراءات واقعية على الأرض تؤكد حصر السلاح بشكل كامل، ومحاربة أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة، لتؤكد أن القرار الاقتصادي محكوم بمؤسسات الدولة والقانون، وأن المشاريع الاستثمارية لن تكون جزءاً من الصراعات السياسية أو الإقليمية.
القطاع الخاص وبرامج الإصلاح الداخلي
من جانب آخر، قال عضو لجنة تطوير القطاع الخاص العراقي عبد الحسين الزيادي إن الاتفاقيات الموقعة لن تحقق أثرها الاقتصادي ما لم تتزامن مع برنامج إصلاح داخلي يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد العراقي، ويمنح القطاع الخاص دوراً رئيسياً في قيادة النشاط الاقتصادي.
وأضاف الزيادي أنّ استمرار اعتماد الدولة على الإنفاق الحكومي والقطاع العام لن يحقق التنمية المستدامة، ما لم تتوسع مساهمة الشركات المحلية في الإنتاج والصناعة والخدمات، بالشراكة مع المستثمرين الأجانب.
وأكد أن العراق لا يعاني من نقص الفرص الاستثمارية بقدر ما يعاني من تراكم مشكلات الإدارة والفساد وضعف كفاءة الإنفاق العام وتفشي الفساد المالي والإداري، مبيناً أن مليارات الدولارات أُنفقت خلال السنوات الماضية من دون أن تنعكس على مستوى البنية التحتية أو تنويع الاقتصاد.
وشدد الزيادي على أن نجاح الفرص الاستثمارية في المرحلة المقبلة يتطلب مراجعة شاملة لآليات إدارة المال العام، وربط الإنفاق بمعايير الكفاءة والإنتاجية، وليس بالاستهلاك والتوسع في النفقات التشغيلية.
وأفاد الزيادي أنّ مكافحة الفساد يجب أن تتحول إلى سياسة اقتصادية متكاملة، تبدأ بمحاسبة المسؤولين عن هدر الأموال العامة واسترداد الأموال المنهوبة، مروراً بإصلاح منظومة العقود الحكومية وتعزيز الرقابة والشفافية، وصولاً إلى توفير بيئة تنافسية عادلة أمام القطاع الخاص.
وأكد أنّ المستثمرين لا يبحثون فقط عن الحوافز والتسهيلات، بل عن مؤسسات قادرة على تطبيق القانون وحماية المنافسة، وهو ما يجعل الإصلاح الإداري والمالي شرطاً أساسياً لتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع إنتاجية تسهم في خلق فرص العمل وتنويع مصادر الدخل الوطني.

