شفقنا العراق-يواجه التعليم المسائي في الجامعات العراقية مخاطر تراجع الجودة مع استمرار تأثير قلة الساعات الدراسية وضعف الجانب التطبيقي، إذ يحذر مختصون من أن استمرار هذه التحديات قد يؤدي إلى تخريج طلبة يحملون شهادات جامعية من دون امتلاك المهارات العملية التي يحتاجها سوق العمل.
لم يعد التعليم المسائي في الجامعات العراقية مجرد نافذة بديلة للطلبة الذين حالت ظروفهم دون الالتحاق بالدراسة الصباحية، إذ بات يواجه أسئلة متزايدة بشأن قدرته على الحفاظ على جودة التعليم، وسط تحديات تتعلق بضيق الوقت، وضغط المناهج، وتفاوت مستوى المتابعة الأكاديمية.
وبينما يمنح هذا المسار فرصة لمواصلة التعليم لفئات تعمل أو تواجه ظروفا خاصة، يرى طلبة وأكاديميون أن محدودية الساعات الدراسية وطبيعة التطبيق العملي قد تخلقان فجوة في مستوى التحصيل مقارنة بالتعليم الصباحي.
ويذكر كرار نوري، وهو طالب في الدراسة المسائية، أن مشكلة التعليم المسائي لا ترتبط فقط بوقت الدوام، بل تمتد إلى آلية اختيار الكوادر ووضع المناهج، مشددا على ضرورة اعتماد آلية جديدة لاختيار الأساتذة القائمين على العملية التعليمية، وعدم حصر إعداد المناهج بالأساتذة فقط، بل إشراك خبراء ومتخصصين من مجالات مختلفة لضمان مواكبة احتياجات الطلبة وسوق العمل.
ويقول كرار إن «التركيز يجب أن يكون على المهارات العملية التي تمثل الركيزة الأساسية للطالب بعد التخرج، خصوصا في ظل حاجة سوق العمل إلى خريجين يمتلكون قدرات تطبيقية، وليس فقط معرفة نظرية».
ويضيف أن «التعليم المسائي في وضعه الحالي أصبح في كثير من الأحيان أقرب إلى مسار للحصول على شهادة مقابل مبالغ مالية، من دون التركيز بشكل كاف على فهم الطالب للمادة أو اكتسابه المهارات المطلوبة»، مبينا أن قلة ساعات الدوام والتهاون في بعض الجوانب التعليمية ينعكسان على مستوى المخرجات.
تطوير التعليم المسائي
ويؤكد كرار أن تطوير التعليم المسائي يتطلب مراجعة شاملة للمعايير المعتمدة، سواء في اختيار التدريسيين أو تقييم الطلبة أو طبيعة المناهج، لضمان أن يكون هذا النوع من التعليم فرصة حقيقية للتعلم، لا مجرد طريق للحصول على شهادة.
من جانبه، يقول الأكاديمي د. حيدر ناصر إن الفجوة المتسعة بين التعليم الصباحي والمسائي في الجامعات العراقية لم تعد تقتصر على تفاوت التوقيت، بل تحولت إلى تحد بنيوي يهدد جودة المخرجات الأكاديمية وقيمة التحصيل العلمي، نظرا لضغط عامل الوقت وغياب التكافؤ في استغلال البنى التحتية للمؤسسات التعليمية.
ويبين ناصر أن «تحدي الوقت في الدراسة المسائية لا يقف عند حدود اختصار ساعات المحاضرة فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على عمق المادة العلمية»،
موضحا أن محاولة اختزال المناهج المصممة لـ15 أسبوعا كاملا وضغطها لتتناسب مع الساعات المتاحة في الدوام المسائي، غالبا ما تجبر التدريسيين، تحت ضغط الوقت، على ممارسة خيارات صعبة، من بينها التخلي عن الأنشطة اللامنهجية، وتقليص ساعات الحوار والنقاش داخل القاعة الدراسية، والتركيز على التلقين السريع لاستيفاء المتطلبات النظرية فقط.
ويحذر ناصر من غياب العدالة بين الفترتين الدراسيتين، قائلا إن «المشكلة الكبرى تكمن في الاستغلال غير المتكافئ للمرافق الحيوية، ففي الوقت الذي يستفيد فيه طلبة الصباح من كامل طاقات الكلية من مختبرات، ومكتبات، واستوديوهات، وورش فنية وتطبيقية طوال النهار، يواجه طلبة المسائي جدارا من الوقت الضيق، إذ تغلق معظم هذه المرافق الحيوية أو تقل كفاءتها التشغيلية بعد ساعات الدوام الرسمي».
ويرى أن هذا الحرمان غير المباشر ينعكس بوضوح على جودة مشاريع التخرج والبحوث التطبيقية لطلبة المسائي، الذين يجدون أنفسهم أمام متطلبات أكاديمية صارمة، لكن من دون أدوات لوجستية كافية لتنفيذها.
ويتابع ناصر: «لا يمكننا عزل جودة التعليم عن الحالة الذهنية والبدنية لطرفي العملية التعليمية. الطالب المسائي يأتي في الغالب بعد يوم عمل شاق، والتدريسي الذي يستأنف محاضراته بعد دوام صباحي منهك، يشتركان في مستويات عالية من الإجهاد والإنهاك الرقمي والبدني»،
مشيرا إلى أن «هذا الواقع يفرض في كثير من الأحيان، وبشكل غير معلن في بعض الكليات، مراعاة للظروف، نمطا من تخفيف معايير التقييم والامتحانات ليتلاءم مع واقع الحال، وهو مؤشر خطير قد يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للمخرجات إذا لم يتم تداركه».
ويرى ناصر أن الحل يتطلب «إعادة هيكلة كاملة لمناهج الدراسة المسائية بما يتوافق مع نمط التعليم المدمج الذكي، وتخصيص الساعات الحضورية المحدودة داخل الكلية للمختبرات والورش العملية فقط»، مقترحا «تمديد فترات الفصول الدراسية للمسائي أو إعادة النظر بآليات التقييم، لضمان أن تكون شهادة التعليم المسائي مساوية للصباحي في الكفاءة والمحتوى، وليس في المسمى فقط».

