شفقنا العراق ــ دعا الشيخ شبير اللواتي، إلى تحرّي الدقة في المنبر الحسيني وتقديم الوقائع المتيقنة والمطمأن بها وتجنب عرض القضايا غير الثابتة، مستعرضاً بيان للمرجعية الدينية العليا السيد السيستاني “دام ظله” صدر سنة ١٤٣٨ هـ ، دعا فيه إلى «تحري الدقة في ذكر الآيات القرآنية أو نقل الروايات الشريفة من الكتب المعتبرة أو حكاية القصص التاريخية الثابتة» وأن يتسامى المنبر عن الخوض في الخلافات.
وقال الشيخ شبير اللواتي، في حديثه بليلة ١٢ المحرم، إن كلمات عدد من الفقهاء والعلماء تفرّق بين جواز نقل بعض أحداث كربلاء مسندةً إلى الكتب، وبين المنهج العلمي الأرجح في تحرّي الدقة، وتقديم الوقائع المتيقنة أو المطمأن بها، وتجنّب عرض القضايا غير الثابتة على أنها من مسلمات التاريخ أو الدين.
وأوضح اللواتي أن المسألة التي تناولها جاءت جواباً عن تساؤلات وردت من عدد من المؤمنين بشأن موقف العلماء من الأحاديث والأحداث التاريخية المرتبطة بما وقع في كربلاء وما سبقها من أحداث متصلة بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، مشيراً إلى أن البحث يتوزع على محورين:
إسهامات العلماء في التحقيق التاريخي للتراث الكربلائي، وما يجوز وما لا يجوز نقله على المنبر الحسيني.
النقل عن الكتب بين الجواز والتحفظ العلمي
وأكد اللواتي أن كلمات الفقهاء واضحة في أن نقل الخطيب حادثةً مسندةً إلى كتاب من الكتب جائز، ما لم تكن القضية محرزة البطلان أو معلومة الكذب، وما لم تُعرض بطريقة توهم الناس أنها من المسلمات.
ونقل في هذا السياق جواباً للسيد محمد صادق الروحاني بشأن واقعة عرس القاسم، إذ ذكر أن رأيه في أصل ثبوتها هو رأي العلامة المامقاني، القائل بعدم العثور عليها في الكتب المعتبرة، لكنه في جواب آخر عن جواز نقلها على المنبر قال: «لا إشكال في ذلك»، إذا كان النقل مسنداً إلى كتاب.
وأشار اللواتي إلى استفتاء للميرزا جواد التبريزي سئل فيه عما إذا كان ضرورياً إلزام كل خطيب بعدم التحدث بأي حديث إلا بعد التحقق من صحته، فأجاب، حسب نقل اللواتي، بأنه «لا يجب ذلك، بل يكفي أن ينقل من الكتاب ما لم يعلم كذبه، ولم يكن نقله بحيث يعتقد الناس أنه من مسلمات الدين».
وبيّن أن هذا لا يعني إلغاء التنبيهات العلمية التي ذكرها العلماء، بل يعني أن البحث له جهتان: جهة الجواز الشرعي للنقل المسند، وجهة الأفضلية العلمية والمنبرية في اختيار المادة الأوثق والأوضح.
المرجعية العليا : عدم التدقيق يفقد الثقة بالمنبر الحسيني
أشار اللواتي إلى بيان للمرجعية الدينية العليا السيد علي السيستاني صدر سنة ١٤٣٨ هـ موجهاً إلى الخطباء والمبلغين، دعا فيه إلى «تحري الدقة في ذكر الآيات القرآنية أو نقل الروايات الشريفة من الكتب المعتبرة أو حكاية القصص التاريخية الثابتة».
وأوضح، بحسب ظاهر العبارة التي نقلها، أن عدم التدقيق في مصادر الروايات والقصص المطروحة «يفقد الثقة بمكانة المنبر الحسيني في أذهان المستمعين»، مع التنبيه إلى وجود اختلاف في فهم مدى شمول كلام السيد السيستاني لموضوع المجلس أو للنعي أيضاً.
كما نقل عن السيد موسى الشبيري الزنجاني أن جزءاً كبيراً من اعتقادات الناس يتشكل من كلمات خطباء المنبر ومن أشعار الرثاء التي تقرأ في المجالس، ولذلك شدد على ضرورة الحرص في اختيار المعلومات الموثقة والأشعار، والتركيز على الهداية والإصلاح، وعدم التسامح في نقل الأقوال غير المتقنة.
الوثوق والاطمئنان أساسان في التعامل مع التاريخ
وتوقف اللواتي عند منهج السيد محمد سعيد الحكيم في التعامل مع التاريخ، قائلاً إنه لا يفترض في التفاصيل التاريخية أن تعتمد دائماً على اليقينيات القطعية أو الحجج الشرعية؛ لأن ذلك، بحسب تعبيره المنقول، يؤدي إلى ضياع كثير من التاريخ، وإنما أقصى ما يتوقع غالباً هو الاعتماد على الوثوق والاطمئنان.
وذكر أن السيد الحكيم عدّ من أدوات تحقيق الوثوق والاطمئنان سبك العبارات ومضامينها، إذ قد يكون الأسلوب والمضمون قرينة على نسبة نص أو دعاء أو خطبة إلى النبي أو الأئمة (عليهم السلام)، كما عدّ أسانيد الروايات أداة أخرى من أدوات الإثبات، من دون أن يعني ذلك أن كل ما لا سند له لا يثبت.
وأضاف أن السيد الحكيم نبه إلى احتمال وصول بعض الأحداث عبر الصدور وتناقلها جيلاً بعد جيل، وربما كانت مأخوذة من كتب لم تصل إلى المتأخرين، لكنه فرّق، بحسب ما استظهره اللواتي، بين عدم كفاية فقدان المصدر لتكذيب الخبر، وبين عدم كفاية التناقل الشفهي وحده لإثبات الحدث.
وقال اللواتي إن غالب روايات المقاتل مراسيل، ولذلك يكون الركون إليها أحياناً بسبب مكانة مؤلف المقتل وحسن اختياره، كما في بعض المقاتل التي ذكرها السيد الحكيم، أو بسبب رجوع الكتب المتأخرة إلى مصادرها الأولى.
جهود علمية في تحقيق أحداث كربلاء
واستعرض اللواتي نماذج من إسهامات العلماء في تقييم مصادر أحداث كربلاء وتحقيقها، مشيراً إلى السيد محمد مهدي الخرسان، الذي ذكر أنه تناول في الجزء السادس من كتاب له بعنوان «نافذة على التاريخ في ربع قرن» ما يرتبط بسيد الشهداء (عليه السلام)، وضمّن فيه أرجوزة تتعرض للمصادر التي يمكن الاعتماد عليها والمصادر التي لا يمكن الاعتماد عليها، مع تقييم إجمالي لبعض المصادر الإمامية وغيرها.
كما أشار إلى كتاب «المجالس السنية» للسيد محسن الأمين، مبيناً أن السيد الأمين كتبه لتنقيح ما يذكر في المصائب، بعدما لاحظ أن كثيراً من الذاكرين اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها، أو مسخوا بعض الأحاديث الصحيحة بالزيادة والنقصان، حتى حفظت تلك المواد على الألسن وأودعت في بعض المجاميع.
وشدد اللواتي على أن كلام السيد الأمين لا يعني أن كل ما لا مصدر له فهو كذب، بل يعني أن هناك أخباراً مكذوبة وُضعت في بعض المجاميع واشتهرت بين الناس.
وتحدث أيضاً عن السيد الترحيني، مشيراً إلى أنه ألّف أربعة مجلدات في النهضة الحسينية، تناول فيها أخبار المدينة، وأخبار مكة، وعاشوراء وما بعدها، والنواصب، واعتنى في المجلد الأول باستعراض المصادر الأساسية وتقييمها وبيان مستوياتها والملاحظات عليها.
وذكر من النماذج كذلك الشيخ عباس القمي صاحب «مفاتيح الجنان»، وله كتاب «منتهى الآمال»، حيث انتقد عدداً من الأحداث وتوقف في تسمية بعض الشخصيات التي اشتهرت لاحقاً، كما أشار إلى تأثره بأستاذه المحدث النوري صاحب «اللؤلؤ والمرجان».
وتطرق اللواتي إلى كتاب «عبرات المصطفين» للشيخ محمد باقر البهبودي، قائلاً إن مؤلفه صرح بأنه كتبه من كتب أهل الخبرة بالتاريخ، مدعماً بالشواهد والقرائن، واعتمد فيه أساساً على الطبري والبلاذري والطبقات والأخبار الطوال.
كما أشار إلى كتاب «مقتل الحسين» للشيخ هادي النجفي، وإلى موسوعة «مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة» التي شارك فيها عدد من أساتذة الحوزة، منهم الشيخ نجم الدين الطبسي.
نتائج تحقيقية في حضور ليلى وعرس القاسم
قال اللواتي إن العلماء لم يكتفوا بإبقاء نتائج التحقيق في بطون الكتب، بل أبرزوا بعض النتائج في أجوبة واستفتاءات.
وذكر أن السيد محمد سعيد الحكيم سئل عن حضور السيدة ليلى في كربلاء، فأجاب بأن هناك خلافاً ينقله المؤرخون، وأن الأعم الأغلب من كلماتهم خالٍ من التصريح بالنفي أو الإثبات، مع وجود رواية في «معالي السبطين» تصرح بأنها كانت ضمن الركب، لكنها رواية منفردة لا تكفي لإثبات حضورها.
كما عاد إلى مسألة عرس القاسم، موضحاً أن السيد محمد صادق الروحاني قال إن رأيه في أصل الواقعة هو رأي العلامة المامقاني، الذي لم يجدها في الكتب المعتبرة، مع بقائه على جواز نقلها مسندةً إلى كتاب وفق الضوابط التي ذكرها.
التبريزي: الاهتمام بالمتيقن أولى
نقل اللواتي عن الميرزا التبريزي أنه لا يرى بأساً بقراءة مجلس القاسم بن الحسن، لكن ضمن شروط، منها أن يكون النقل بحسب ما ورد في الكتب التاريخية، وألا يقرأ على نحو يترسخ في أذهان الناس أنه حتمي الحصول، بل على نحو الاحتمال.
وأضاف أن الميرزا التبريزي أوصى بأن يكون الاهتمام بالمسائل المتيقنة والمطمأن بها أكثر، لترسخ في أذهان الأجيال القادمة وتدفع الشبهات التي تحيط بهم، مشيراً إلى أن لسيد الشهداء (عليه السلام) مظالم أخرى ينبغي نقلها وقراءتها للمؤمنين.
تحذير من الاختراع ومن تحويل غير المسلّم إلى مسلّم
استشهد اللواتي بما نقله الشيخ عباس القمي في «منتهى الآمال» عن أحد الفقهاء، وفيه أن جماعة من ذاكري المصائب صاروا لا يتورعون عن اختراع وقائع مبكية، وأن بعض الكلام الكاذب شاع حتى ظهر في مؤلفات جديدة، فإذا حاول محدث أمين منع تلك الأكاذيب نسبوها إلى كتاب مطبوع أو كلام مسموع.
وأشار إلى كلام للسيد الزنجاني بشأن الفاضل الدربندي وكتابه «أسرار الشهادة»، مبيناً أن الملاحظة عليه لا تعني اتهامه بالكذب، بل إن بعض العلماء رأوا أنه كان يتسامح كثيراً في باب الفضائل والمناقب، فترتبت ملاحظة على بعض نقولاته في هذا المجال.
وأكد اللواتي أن اختيار الأقوى والأوضح تاريخياً لا يعني أن غيره لا يجوز نقله، بل إن الاستفتاءات التي عرضها تدل على سعة الجواز في النقل المسند، لكنه شدد في المقابل على أهمية العناية بما هو أوثق وأبعد عن الشبهة.
وختم اللواتي بتنبيه إلى عدم التشدد في المسائل التي ليست من أصل الدين، وعدم التعامل مع غير المسلمات على أنها مسلمات، لما قد يثيره ذلك من خلافات بين المؤمنين، مستشهداً بتوصية المرجعية الدينية العليا بأن يتسامى المنبر عن الخوض في الخلافات.

