خاص شفقنا– بيروت-في ظل التطورات التي تشهدها الساحة العربية عموما والاسلامية خصوصا، كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مسألة الوحدة الإسلامية واهمية العمل بها والإبتعاد عن الخطاب المذهبي الذي يؤجج الفتن ويدعو الى التفريق بين المسلمين، ولعل العمل بها لما في مصلحة الناس عامة اهم من الخطابات الإعلامية من على المنابر ووالاهم هو الدعوة الى تطبيقها وتثبيتها في ألبابهم وفكرهم وتجسيدها عملا وواقعا للوصول الى قوله تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”.
إلا ان الوحدة الإسلامية ممكنة التحقيق ما دامت الأمة تجتمع حول عقيدة واحدة، ومصالح واحدة، ومصير واحد، وتواجه عدوا واحدا، ومما لاشك فيه ان الإمام علي “ع” قد جسد مفاهيم الوحدة في منهجه وسيرة حياته وترجمها إلى أعمال وممارسات وعلاقات متجسدة في الواقع، واصبحت خطبه ومناهجه قواعد عامة يحتذى بها في المجتمعات الاسلامية منها والغربية على وجه الخصوص لعلها تكون دستورا تقام به دولة الوحدة.
وفي حديث خاص لـ”شفقنا” اشار فضيلة الشيخ فضل المخدر الى ان “اول ما حث الرسول “ص” عليه في العلاقات بين المسلمين هو العلاقة الاخوية، عندما جعل المسلم اخ المسلم وطالبه بأن يكون جنب اخيه ويفرج عنه، ليفرج عنه الله تعالى يوم القيامة”، فالرسول “ص” فتح الباب على مصراعيه بين المسلمين بحيث يكون الآخر عونا لأخيه المسلم ويكون ملجأ له في حالات الشدة في هذه الدنيا”.
واضاف، لقد جعل الرسول “ص” حالة من التساوي بين المسلمين بحيث لم يفرق بينهم لا في لون ولا في عرق ولا في اصل او حالة من حالات الدنيا، عندما قال “المسلمون كأسنان المشط”، وعندما قال “ص” “هم كالجسد الواحد اذا تداعى له عضوا تداعت له سائر الاعضاء”.
واعتبر ان المسلم لا يمكن الا ان يكون في هذا الاطار، وعندما يحدث بين المسلمين امر من الامور التي يمكن ان تكون مكانا للفرقة او الفتنة فإن الله اوجب على المسلم الآخر ان يحفظ دينه بدرء هذه الفتنة وهذا ما قاله الإمام علي “ع” عندما قال: “سلمتُ ما سلمت امور المسلمين”، فكان يعتبر ان الحفاظ على المسلم والدولة الاسلامية ورسالة رسول الله “ص” مقدم على كل شيء”.
واضاف “عندما كان الإمام علي “ع” ينظر لفكرة الاعتداء على الدولة الاسلامية، حتى خصمه الذي خالفه وخالف خلافته معاوية عندها قال: “والله لو فعلها بنو الاصفر لوضعت يدي بيد معاوية، يعني ذلك ان ما طرحه الرسول وما عمل به الائمة عليهم السلام والاصحاب حتى الخلفاء في صدر الاسلام الاول الخلفاء الراشدون، عملوا على ذلك، لذلك ورد عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بأنه ما من معضلة الا ولها ابو الحسن”، وكان الخليفة عمر يتعاطى مع الامام علي “ع” بحالة اخوية”، معتبرا ان “ما حدث بين المسلمين في تلك المرحلة الاولى هو جزء من رسالة الرسول”.
واشار الى انه “عندما دخل المسلمون في الفتنة، كان من الضروري ان يقف الراشدون والواعون والعاقلون في المجتمع الاسلامي في وجهها”، لافتا الى ان “ما يحدث الان بين المسلمين من تفرقة وتباعد ومن حالة مواجهة فعلية على الارض تحت عنوان الدين والاسلام المغاير لرسالة الرسول، بل هو عين الفتنة التي يجب الوقوف في وجهها، ومن الجانب العملي الطبيعي ان يتعاطى الانسان المسلم ضمن هذه القاعدة، قاعدة الرسول “ص” ورسالته”، مؤكدا ان “الجانب العملي والحقيقي الذي يمكن ان يصل له الانسان هو عندما يرى بأن الاسلام الحقيقي هو من قاعدة “سلمتُ ما سلمت أمور المسلمين””.
بدوره، شدد فضيلة الشيخ ماهر مزهر على ان “العنصر المهم في موضوع الوحدة الاسلامية هو الصدق في الدعوة لها، ففاقد الشيء لا يعطيه”، مؤكدا ان “الدعوة لها ليست شعرا يلقى ولا قصائد تقال في المناسبات، انما هي اصل قرآني يجب ان تنتج عن فكر معتدل اولا وفكر صادق ومؤمن بالوحدة الاسلامية ثانيا”، وما يقال في بيوتنا هو ما يجب قوله للناس ومن على منابرنا، فعندما نصل الى هذه الدعوة ونصدق بها، يصدقنا الآخرون”.
واضاف “جاءت امرأة الى الامام زين العابدين “ع” تقول له ان غلامي هذا ولا يشرب ولا يأكل سوى التمر مُره ان يترك، فقال لها “ع” اذهبي واتِ بعد ثلاثة ايام، وبعد ايام قال له يا غلام لا تأكل وتشرب التمر قال سمعا وطاعة، فقالت له لِمَ لَمْ تقل هذا منذ ثلاثة ايام، فقال لها “امتنعت انا عن اكل التمر حتى يأتي كلامي صادقا في قلب واذن هذا الغلام”.
واعتبر الشيخ مزهر في حديث خاص لـ”شفقنا” ان “هنالك من المسلمين من يخالف قول الله عز وجل وليس قول الامام علي “ع” أو احد من الصحابة، الا اننا يجب أن نأخذ ليس ما قاله الإمام علي “ع” فحسب انما ما فعله، فعندما حصل الخلاف بينه وبين معاوية وجاء من يغذي هذا الخلاف، عندما علم ان بنو الاصفر سيدخلون الى بلاد المسلمين، وبلسان صدق قال الامام “ع”، “والله لو فعلها بنو الاصفر لوضعت يدي بيد معاوية”، اي يد الوحدة الاسلامية طالما أن الوحدة هي التي تنجي الامة”.
وقال “القضية قضية صدق في الدعوة الى الوحدة الاسلامية بلسان صادق وعمل يترجم هذه المقولات الصادقة وهذه الدعوة القرآنية”.
اذا، لقد اسس رسول البشرية محمد “ص” بداية الدعوة الى الوحدة الإسلامية بين المسلمين، فكانت رسالته قائمة على ركيزة اساسية وهي القرآن الكريم والعمل بقول صادق بحيث يكون الناس سواسية فيما بينهم، وخلفه من بعد ذلك امير المؤمنين علي “ع” واهل البيت عليهم السلام والصحابة، لإكمال المسيرة، مسيرة الوحدة الاسلامية لتجتمع الأمة تحت مظلة واحدة هي الدين الاسلامي الحنيف.
ملاك المغربي
انتهى

