شفقنا العراق-تتجه الحكومة إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص بوصفها إحدى الأدوات الرئيسة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على الموارد الريعية.
تتبلور أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في ركائز أساسية من بينها تخفيف العبء المالي عن الدولة والاستفادة من خبرات القطاع الخاص في تبني تقنيات حديثة، وتطوير آليات الإدارة والتشغيل، ما يضمن تقديم الخدمات بجودة أعلى وسرعة أكبر، وتوزيع المخاطر،
وفضلًا عن قيامها بترتيبات واضحة لتقاسم المخاطر (التنفيذية، المالية، والتشغيلية) بين الحكومة والشريك الخاص، مما يحمي المشاريع من التعثر، فإن إبرام العقود مع القطاع الخاص لإدارة المرافق العامة يساعد في تحقيق “قيمة أفضل مقابل النقود” بفضل المرونة والقدرة على خفض التكاليف التشغيلية.
فلسفة الدولة
وفي هذا السياق، عد المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، في إشارته إلى اللقاء الأخير لرئيس الوزراء، علي الزيدي، مع ممثلي القطاع الخاص، بأن فلسفة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص تقتضي شراكة حقيقية، تؤدي إلى تفعيل دور فواعل السوق في نقل الاقتصاد الريعي من كونه قوة توزيعية مولدة لاقتصاد الهدر، إلى قوة تمويلية إنتاجية مولدة لاقتصاد منتج عالي التنويع بما ينسجم مع استكمال رؤية العراق 2030،
مبينًا أن تأسيس صندوق التنمية سيشكل الرافعة المالية لبناء شراكة منتجة مع السوق أو القطاع الخاص الصناعي متنوع المنتجات، والتي أعلن عنها رئيس الوزراء في الاجتماع الأخير، والموجهة نحو تمويل المشاريع الاستثمارية الصناعية التي يتولى تنفيذها القطاع الخاص.
وأضاف صالح، أن المستهدفات التي جاءت بها استراتيجية تطوير القطاع الخاص، بوصفها محور مسار الشراكة، تقتضي تنويع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الاجمالي من 37 % إلى نحو 54 % في سنة الهدف،
لافتًا إلى أن ما طرحه رئيس الوزراء مع ممثلي القطاع الخاص، لا يدور حول المفاضلة بين الدولة والسوق، بل حول طبيعة العلاقة التي تربط بينهما ودور كل منهما في تحقيق التنمية المستدامة.
فضاء التبادل التجاري
وعد السوق بانه ليس مجرد فضاء للتبادل التجاري وتحقيق الأرباح، وإنما منظومة مؤسساتية يفترض أن تقوم على قواعد الشفافية والمساءلة والالتزام الاجتماعي،
مشيرًا إلى أنه يمكن توصيف مؤسسات السوق الناجحة بأنها تلك التي تلتزم بالشفافية الضريبية وتسهم بتمويل الموازنة العامة، باعتبار أن الضرائب ليست عبئاً على التنمية، بل مساهمة في بناء البنية التحتية والخدمات العامة التي يستفيد منها المجتمع والقطاع الخاص على حد سواء.
وتابع المستشار الحكومي، أن الدور الاقتصادي لمؤسسات السوق لايقتصر على تعظيم الأرباح، بل يمتد إلى التشغيل المنتج لقوى الشعب العامل، عن طريق فرص عمل حقيقية ومستدامة، ورفع الانتاجية، وتنمية المهارات والخبرات الوطنية، موضحًا أن السوق الذي يعجز عن استيعاب الطاقات البشرية وتحويلها إلى قوة انتاجية يفقد احد اهم مبرراته الاقتصادية والاجتماعية.
ورأى صالح أن شرعية النشاط الاقتصادي لا تكتمل من دون توفير الحماية الاجتماعية للعاملين، فالضمان الاجتماعي والتقاعد والتأمينات المهنية والصحية ليست امتيازات ثانونية، بل حقوق أساسية تضمن الاستقرار الاجتماعي وتحفز العامل على الابداع والإنتاج، مؤكدًا أن نجاح كرامة الأنسان وأمنه الاقتصادي، يكمن في تفادي مشكلات ما يسمى بـ”فشل السوق”.
أطر قانونية
وأكد أن دور الدولة يتمثل في تنظيم هذه العلاقة، ووضع الأطر القانونية والرقابية التي تمنع الاحتكار والتهرب الضريبي واستغلال العمل، مع تشجيع المبادرات الاستثمارية المنتجة، لتصبح العلاقة شراكة من أجل التنمية، لا شراكة لتوزيع المنافع الضيقة،
مشددًا على أن الاقتصاد المنتج والعادل هو الذي يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وبين حرية المبادرة الخاصة وتعزيز المنفعة الاقتصادية والاجتماعية العامة لبلوغ حالة الازدهار.
على صعيد ذي صلة، وصفت عميد كلية اقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين، الدكتورة نغم حسين، الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنها تعاون تعاقدي يهدف إلى توفير البنية التحتية والخدمات العامة، مبينة أن الحكومات تستفيد من كفاءة وابتكار القطاع الخاص، مع الحفاظ على الرقابة التنظيمية لضمان المنفعة المجتمعية.
وأضافت حسين، أن أبرز فوائد هذا التعاون تتركز في نقاط مهمة منها، تخفيف العبء المالي عن الدولة، وإنجاز المشاريع الكبرى ذات التكلفة الرأسمالية الضخمة دون الاعتماد على ميزانية الدولة، لافتة إلى أن القطاع الخاص يسهم في تقليل التأخير وإنجاز المشاريع في أوقاتها المحددة ضمن حدود الميزانية بفضل خبراته الإدارية.
يشار إلى أن رئيس الوزراء، علي الزيدي، قال، أثناء لقائه، قبل أيام، عددًا من رجال الأعمال، وأعضاء مجلس إدارة وتطوير القطاع الخاص: إن «الحكومة تعوّل على التعاون مع القطاع الخاص لإنجاح مساعيها الاصلاحية في الاقتصاد والتنمية»، واصفًا القطاع الخاص بأنه «شريك للحكومة، وندعم دوره المحوري في تنمية الاقتصاد».

