شفقنا العراق-تشير المعطيات الحالية إلى دخول ملف مكافحة الفساد في العراق مرحلة أكثر نشاطاً، مع تحريك ملفات عقود حكومية وفتح تحقيقات في قضايا تتعلق بمسؤولين سابقين وحاليين.
في أول تحدٍ عملي لوعود حكومة علي الزيدي بمكافحة الفساد، تتجه الأنظار إلى سلسلة إجراءات غير مسبوقة شملت اعتقال مسؤولين بارزين، وفتح ملفات عقود حكومية كبرى، وإنشاء مجلس أعلى للنزاهة واسترداد الأموال العامة.
وفيما يرى مراقبون أن التحركات الحالية قد تمثل فرصة حقيقية لكسر شبكات الفساد المتجذرة، يحذر آخرون من أن نجاحها سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على تجاوز الانتقائية السياسية وتحويل التحقيقات إلى أحكام قضائية واسترداد فعلي للأموال المنهوبة، وسط غابة من التشكيك بسبب التجارب السابقة.
تطورات إيجابية
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والصحفي أمين ناصر إن “جهود ملاحقة ملفات الفساد في العراق لم تتوقف خلال المرحلة الحالية، لا سيما أن هيئة النزاهة والقضاء، بدعم مباشر من مجلس القضاء الأعلى، يواصلان متابعة القضايا المتعلقة بالفساد في الحكومات السابقة والحالية دون استثناء”.
ويؤكد ناصر، أن “هناك توجهاً واضحاً لرفع الغطاء عن جميع المتورطين بملفات الفساد، بالتزامن مع وجود تعاون بين المؤسسات الرقابية والقضائية، فضلاً عن عدم تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء وهيئة النزاهة، ومنع أي ضغوط أو تأثيرات من الأحزاب أو القوى السياسية أو الجماعات النافذة على مسار التحقيقات”.
وفي ما يتعلق بقضية وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، يبين ناصر، أن التحقيقات شهدت تطورات مهمة، بعد تقديم اعترافات وصفها بالكبيرة من قبل المتهم عدنان الجميلي، إلى جانب استكمال تفريغ وتحليل البيانات والمعلومات المتعلقة بالقضية.
رفع الحصانة
ويضيف ناصر، أن “الأيام المقبلة قد تشهد اتخاذ إجراءات قانونية جديدة، من بينها رفع الحصانة عن عدد من أعضاء مجلس النواب، ليس فقط على خلفية قضية الجميلي، وإنما في ملفات أخرى تتعلق بالرشوة والابتزاز واستغلال النفوذ”.
ويلفت إلى أن “التحقيقات الحالية لا تقتصر على شخصيات محددة، بل تمتد إلى ملاحقة شخصيات نافذة يشتبه بتورطها في قضايا فساد”، مؤكداً أن “نطاق الإجراءات قد يتوسع ليشمل مسؤولين وشخصيات بارزة ارتبطت بإدارات حكومية سابقة، في إطار ما يصفه بحملة مستمرة لمحاسبة المتورطين واستعادة هيبة مؤسسات الدولة الرقابية والقضائية”.
وفي أول إجراء تنفيذي لحكومة الزيدي، اعتقلت قوة أمنية وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي (مدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي)، على خلفية تورطه في ملفات فساد إداري ومالي تتعلق بشركة مصافي الشمال (مصفى بيجي).
وكشف القضاء بعد عملية الاعتقال عن ضبط أموال تقدر بنحو 10 ملايين دولار أمريكي، وثلاثة مليارات دينار عراقي، إضافة إلى مصوغات ذهبية تقدر بنحو أكثر من كيلوغرام من الذهب وكميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، لافتًا إلى أنّ التحقيقات مازالت مستمرة للكشف عن جميع الأشخاص والجهات المرتبطة بالجريمة.
وأثارت هذه الخطوة جدلاً كبيراً في الأوساط العراقية بين التشكيك وعدم الثقة التي يبديها الشارع نتيجة تجارب سابقة وآخرها قضية إفلات المتهم بسرقة الأمانات الضريبية نور زهير من العقاب بعد ضلوعه إلى جانب نواب ومسؤولين بما سمي بـ”سرقة القرن”.
حذر وتشكيك
من جهته، يرى مدير مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية عباس الجبوري أن “الشارع العراقي يتعامل عادة مع مثل هذه الإجراءات بقدر كبير من الحذر والتشكيك، نتيجة تجارب سابقة لم تنجح في الوصول إلى المتورطين الكبار في ملفات الفساد، إلا أن هناك جملة من المؤشرات التي تجعل الخطوة الحالية محط متابعة واهتمام، وفي مقدمتها سعي الحكومة إلى حماية منجزاتها الاقتصادية والخدمية من الهدر والفساد الذي يعطل تنفيذ المشاريع ويقوض نتائجها على أرض الواقع”.
ويضيف، أن “الضغوط المالية والرقابية المتزايدة، إلى جانب تقارير الجهات المختصة والرقابية وحالة الترقب الشعبي، تجعل من الصعب تجاهل العقود التي تحوم حولها شبهات فساد أو هدر للمال العام، لا سيما في مرحلة تشهد تقييماً مستمراً لأداء الحكومة وقدرتها على تنفيذ تعهداتها”.
ظروف ملائمة
ويؤكد الجبوري، أن “الظروف الحالية تمنح الحكومة فرصة للتحرك بصورة أوسع مقارنة بمراحل سابقة”، موضحاً أن “انشغال بعض القوى السياسية بملفات إقليمية وتعرض بعضها الآخر لضغوط خارجية قد يفتح هامشاً أكبر أمام السلطة التنفيذية لمراجعة ملفات حساسة دون الاصطدام المباشر بتوازنات المحاصصة التقليدية، كما أن حالة الاستقرار النسبي تسمح للمؤسسات الرقابية والقضائية بالتحرك بمرونة أكبر”.
ويقر مدير مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية، بأن “التحديات لا تزال كبيرة، إذ إن شبكات المصالح المتغلغلة داخل مؤسسات الدولة والوزارات ما زالت تمتلك نفوذاً واسعاً وقدرة على التأثير، ما يجعل أي محاولة لفتح ملفات العقود الكبرى أو ملاحقة المتورطين فيها عرضة لمواجهات وضغوط سياسية قد تنشأ من أطراف ترى في هذه الإجراءات تهديداً لمصالحها أو مصادر نفوذها”.
ويتابع، أن “اختبار جدية الحكومة لا يكمن في إصدار القرارات أو تشكيل اللجان، بل في قدرتها على تحويل التحقيقات إلى إجراءات عملية تطال جميع الجهات المتورطة دون استثناء”،
لافتاً إلى أن “المعطيات الإقليمية والداخلية الحالية قد توفر للحكومة نافذة فرصة مهمة للتحرك، إلا أن نجاحها سيقاس بمدى قدرتها على تحويل الملفات المفتوحة إلى أحكام قضائية نهائية واسترداد الأموال العامة، بما يرسخ الثقة بجدية الدولة في مكافحة الفساد”.
ثقة المواطن
إلى ذلك، يقول الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي، إن محاولات فتح ملفات الفساد ومحاسبة المتورطين، بما في ذلك القضايا التي شهدت إجراءات قانونية بحق النائب حسنين الخفاجي، يمكن قراءتها من زاويتين متوازيتين في المشهد العراقي.
ويضيف أن “الزاوية الأولى تتمثل في أن هذه الإجراءات قد تظهر مؤشراً إيجابياً على بدء تحريك ملفات كانت تُعد في السابق من المحرمات السياسية أو الخطوط الحمراء، وهو ما يمثل خطوة ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون”.
ويردف، أن “الزاوية الأخرى ترتبط بطبيعة الحياة السياسية العراقية خلال السنوات الماضية، إذ شهدت بعض ملفات الفساد توظيفاً سياسياً في إطار صراعات النفوذ وتصفية الحسابات بين القوى والأطراف المتنافسة، ما جعل الرأي العام يتعامل بحذر مع أي تحركات من هذا النوع”.

