شفقنا العراق-سلّط الحادث الأخير الضوء على التحديات المستمرة التي تواجه شبكة الطرق الخارجية، إذ تتداخل مشكلات البنية التحتية مع السلوك المروري الخاطئ لتنتج حوادث دامية تتكرر بصورة شبه دورية وتحصد عشرات الضحايا سنوياً.
ويطلق الأهالي في محافظة ذي قار تسمية “طرق الموت” على عدد من الطرق الخارجية، من بينها طريق المرور السريع الرابط بين محافظات البصرة والناصرية وبغداد، وطريق الناصرية – الجبايش، وطريق الناصرية – سوق الشيوخ، وغيرها من الطرق التي ارتفعت فيها معدلات الحوادث المرورية المروعة نتيجة رداءة الطرق وضيقها، فضلا عن الاستيراد العشوائي للمركبات في مرحلة ما بعد عام 2003.
وأسفر حادث انقلاب واحتراق حافلة زوار على الطريق السريع بين ذي قار والبصرة، يوم الأحد 7 حزيران 2026، عن مصرع 21 شخصا، بينهم جثث متفحمة جرى نقلها إلى دائرة الطب العدلي، وإصابة 19 آخرين، بحسب بيان لوزارة الصحة. وأكد شهود عيان أن معظم الضحايا من أهالي البصرة، وأن بعضهم زوار إيرانيون، فيما عزت مصادر متعددة أسباب الحادث إلى إهمال السائق ورداءة الطريق.
رداءة الطريق السريع
وقال أحد المصابين في الحادث، الذي وقع ضمن الحدود الإدارية لناحية البطحاء، 45 كم غربي الناصرية، إن “الحافلة التي تقل أكثر من 45 شخصا كانت متوجهة من النجف إلى البصرة”.
وأضاف أن “رداءة الطريق السريع وافتقاره إلى مقومات السلامة يدفعان السائقين إلى العبور من ممر إلى آخر، وهو ما أدى إلى اصطدام الحافلة بمركبة كبيرة كانت أمامها، ثم احتراقها وانقلابها”.
وأضاف المصاب، وهو راقد في إحدى مستشفيات الناصرية، أن “ما فاقم مخاطر الحادث هو الكتل الكونكريتية الضخمة التي تفصل بين ممري الذهاب والإياب، إذ ارتطمت الحافلة، بعد اصطدامها بالمركبة الأخرى، مرات عدة بتلك الكتل، ومن أثر احتكاك بدن الحافلة وخزان الوقود بها نشب حريق داخل الحافلة”.
الكتل الخرسانية عمقت المأساة
ورأى أن “مخاطر الحادث كان يمكن أن تكون أقل فداحة لو لم تكن تلك الكتل الخرسانية موجودة”، مسترسلا: “وجودها أغلق جميع منافذ النجاة أمام الحافلة، إذ كان بالإمكان أن يتجه السائق بالحافلة نحو مسار الجزرة الوسطية، ويتلافى بذلك تداعيات الاصطدام”.
وشدد المصاب على أهمية إعادة تأهيل طريق المرور السريع، ومعالجة التخسفات والتمددات والحفر التي أخذت تعيق حركة السير، مؤكدا ضرورة تأثيثه بالعلامات المرورية. في المقابل، عزا مدير مرور ذي قار، العميد زياد الحصونة، سبب الحادث إلى “اصطدام الحافلة بسيارة تريلة من الخلف”،
مرجحا أن “يكون الحادث ناجما عن غلبة النعاس على سائق الحافلة ونومه أثناء السياقة، ثم ارتطامه بالسياج الأمني الكونكريتي، والسير بمحاذاته، قبل الاصطدام به واحتراق الحافلة بالكامل”.
وحمل الحصونة السائق مسؤولية الحادث، قائلا إن “سبب الحادث السرعة الكبيرة ونوم السائق”.
ضعف الرقابة المرورية
وقال مستشار محافظ ذي قار لشؤون المواطنين، حيدر سعدي، إن “ما يحدث على الطرق الخارجية من حوادث مرورية أمر مؤلم ومقلق، ويستدعي جملة من المعالجات الطارئة والفاعلة”.
عازيا أسباب الحوادث المروعة على ما وصفه بـ”طرق الموت” إلى “جملة من الأسباب، من بينها السرعة العالية، واختناق الطرق بالمركبات بعد تنامي أعدادها منذ عام 2003، وضعف الرقابة المرورية”.
وأوضح أن “الحوادث المرورية التي كانت تحصل سابقا ناجمة عن رداءة الطرق، أما اليوم فبات الكثير منها يحدث على الطرق الخارجية نتيجة السرعة الفائقة”،
مبينا أن “عدم التزام السائقين بقواعد السلامة والأمان يعد واحدا من أهم الأسباب التي تؤدي إلى حوادث مروعة”. ونبه سعدي إلى أن “الطرق السريعة، إن كانت بلا رقابة مرورية، قد تغري بعض السائقين بزيادة السرعة”.
ورأى أن “ضعف الرقابة المرورية، ولا سيما منظومة الرادار على طرق المرور السريع، جعل الكثير من السائقين يتجاوزون الحد المقرر للسرعة، فضلا عن التجاوز الخاطئ أثناء اكتظاظ الطريق بالمركبات وفي ظروف جوية غير ملائمة”.
وشدد مستشار محافظ ذي قار على “ضرورة تفعيل دور مديريتي الطرق الخارجية والمرور في مجال مراقبة الطرق، عبر نشر منظومة فاعلة للرادار، ونشر مفارز ودوريات مرورية لمتابعة حركة المرور”، مشيرا إلى “نجاح مثل هذه التجربة في مدن إقليم كردستان العراق”.

