شفقنا العراق-تسعى الحكومة العراقية إلى تقديم مقاربات جديدة لمعالجة ملف السكن، في وقت تتعمق فيه أزمة السكن نتيجة تراكمات عمرها سنوات طويلة.
أعاد إعلان رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الأسبوع الماضي، عزم حكومته تمليك كل عائلة عراقية قطعة أرض سكنية، النقاش مجددا حول أزمة السكن في البلاد، ومدى جدية هذه الخطوة وإمكان تنفيذها، ولا سيما أن أغلب الحكومات السابقة أطلقت وعودا مشابهة بقيت، بحسب نواب، “حبرا على ورق”.
وخلال جلسة مجلس الوزراء في الثاني من حزيران 2026، قال الزيدي إن حكومته “تعمل على امتلاك كل عائلة عراقية قطعة أرض سكنية وفق موديلات تطويرية مختلفة وبالتعاون مع القطاع الخاص”، مؤكدا أن الدولة تتجه إلى “توفير قطع أراض مجانية لجميع العوائل العراقية”، مع إشراك رجال الأعمال والشركات النفطية ووزارة الكهرباء في توفير البنى التحتية والخدمات اللازمة.
تقليل الفجوة السكنية
ويقول المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة، استبرق صباح، إن الوزارة عملت خلال السنوات الماضية على تنفيذ حزمة متكاملة من البرامج الهادفة إلى تطوير القطاع السكني وتقليل الفجوة السكنية في عموم المحافظات.
ويوضح صباح أن تلك الجهود شملت إنشاء المجمعات السكنية، ومنح القروض السكنية، وإطلاق مشاريع المدن الجديدة، وتخصيص الأراضي السكنية المخدومة، وتنفيذ مشاريع البنى التحتية الأساسية، فضلا عن المصادقة على تصاميم المجمعات الاستثمارية.
ويضيف أن إعلان الزيدي الأخير يأتي ضمن “رؤية حكومية شاملة تستهدف تمكين كل عائلة عراقية من امتلاك قطعة أرض سكنية وفق نماذج تطويرية متعددة وبالشراكة مع القطاع الخاص، بما يسهم في توسيع المعروض السكني وتوفير حلول مستدامة”.
سياسة التوزيع التقليدي
ومنذ الحكومات الأولى بعد عام 2003 وحتى نهاية ولاية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، اعتمدت الدولة سياسة التوزيع التقليدي لقطع الأراضي السكنية على فئات محددة، شملت ذوي الشهداء، والسجناء السياسيين، وضحايا الإرهاب، والموظفين، وأساتذة الجامعات، والصحفيين، والمشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية.
وفي عامي 2013 و2014، أطلقت الحكومة آنذاك “المبادرة الوطنية للسكن”، التي تضمنت توزيع قطع أراض ومنح ما عرف بـ”سندات 25” للمواطنين عبر استمارات ورقية في المحافظات.
غير أن آلاف القطع التي وزعت حينها كانت تقع في مناطق تفتقر إلى شبكات الطرق والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية، فيما واجه المستفيدون إجراءات إدارية معقدة حالت دون تحويل كثير من تلك الأراضي إلى مساكن فعلية.
ومع وصول حكومة حيدر العبادي إلى السلطة عام 2014، اتجهت الدولة نحو تشجيع البناء العمودي والمجمعات السكنية الاستثمارية، خاصة في ظل الأزمة المالية التي رافقت الحرب ضد تنظيم “داعش” وانخفاض أسعار النفط.
ورغم الترحيب بالخطوة الجديدة، حذر نواب من تكرار تجارب الوعود السابقة. ويقول النائب عدي الزاملي إن أزمة السكن تشمل جميع المحافظات العراقية، وإن البرلمان يساند أي جهد حكومي لمعالجتها.
لكنه يشدد على أن “حل أزمة السكن لا يتحقق فقط بمنح قطعة أرض للمواطن”، مؤكدا ضرورة توفير الخدمات الأساسية والبنى التحتية، والتخطيط لاستيعاب المدارس والمستشفيات قبل التوزيع.
ويضيف الزاملي أن مجلس النواب ستكون له “متابعة فعلية لما ينجز على الأرض”.
مشاريع لتوزيع الأراضي السكنية
من جهته، يبين عضو لجنة الخدمات النيابية محمد خليل، أن “جميع رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على الحكم أعلنوا مشاريع لتوزيع الأراضي السكنية، لكن معظم تلك الوعود لم تتحقق”.
ويضيف خليل أن العراق بحاجة إلى نحو خمسة ملايين وحدة سكنية لسد العجز الحالي، داعيا إلى وضع آليات رقابية وقانونية تضمن تنفيذ الوعود الحكومية ومساءلة الجهات المقصرة.
وفي عام 2019، وفي خضم الاحتجاجات الشعبية، أطلقت حكومة عادل عبد المهدي القرار 70، الذي تعهد بتوزيع قطع أراض مخدومة بمساحات تراوحت بين 200 و300 متر مربع لشرائح واسعة من المواطنين، مع منح امتيازات إضافية للفئات محدودة الدخل.
غير أن استقالة الحكومة بعد أشهر من إطلاق المبادرة أدت إلى توقف المشروع عمليا قبل استكمال البنى التحتية أو تسليم الأراضي بصورة نهائية.
مشروع داري
وجاءت حكومة مصطفى الكاظمي بمقاربة مختلفة تمثلت بإطلاق منصة “داري” الإلكترونية عام 2021، التي عدت حينها أول مشروع رقمي واسع النطاق لتوزيع الأراضي السكنية، وخصصت نحو 500 ألف قطعة أرض، فضلا عن توزيع ما يقارب 186 ألف سند أولي في بغداد والبصرة وكربلاء والأنبار ومحافظات أخرى.
إلا أن المشروع تعرض لاحقا لانتقادات واسعة، بعدما تبين أن العديد من الأراضي المخصصة تقع خارج التصاميم الأساسية للمدن، وفي مناطق صحراوية تفتقر إلى المياه والكهرباء والطرق.
ولا يقتصر التحدي على الجوانب المالية أو الفنية، بل يمتد إلى أزمة ثقة متراكمة بين المواطن والدولة، بحسب السياسي والأكاديمي عادل الغريري.
فقدان الثقة بالحكومات
ويقول الغريري إن المواطن العراقي “فقد خلال السنوات الماضية الثقة بوعود الحكومات المتعاقبة، سواء تلك المتعلقة بالإسكان أو الخدمات أو فرص العمل”.
ويضيف أن أي إعلان جديد بشأن الأراضي أو السكن سيستقبل بحذر ما لم يقترن بإجراءات ملموسة على الأرض.
ويشير إلى أن أسعار العقارات في العراق وصلت إلى مستويات تفوق قدرة أصحاب الدخل المحدود والموظفين، بل تجاوزت في بعض المناطق أسعارا موجودة في دول مجاورة، رغم الامتيازات والتسهيلات الممنوحة للمستثمرين.
ويتابع أن استعادة ثقة المواطنين لن تتحقق عبر التصريحات، بل من طريق تنفيذ المشاريع فعليا وإظهار نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن العراق ما زال يواجه فجوة سكنية كبيرة تتراوح بين مليونين وخمسة ملايين وحدة سكنية، في وقت يعيش فيه ملايين المواطنين في مناطق عشوائية أو مساكن غير ملائمة.

