شفقنا العراق-يتجدد النقاش بشأن ملف الرواتب في العراق مع تصاعد المطالبات بمعالجة الفوارق المالية بين موظفي مؤسسات الدولة، في وقت يرى فيه مختصون أن تحقيق العدالة الوظيفية يتطلب إصلاحات متوازنة تراعي الاستدامة المالية وتحديات الموازنة العامة.
مع عودة الحديث عن إصلاح شامل لسلم الرواتب، يبرز الملف كواحد من أكثر التحديات حساسية أمام الحكومة، في ظل سعيها لتحقيق العدالة الوظيفية من دون تحميل الموازنة العامة أعباء مالية قد تكون كبيرة.
ويبين الخبير في الشأن الاقتصادي ناصر التميمي، أن العراق يقف اليوم أمام استحقاق مهم يتعلق بإعادة النظر في هيكل الرواتب والأجور في مؤسسات الدولة، في ظل التفاوت الكبير القائم بين موظفي الوزارات والهيئات والجهات غير المرتبطة بوزارة، والذي تراكم عبر سنوات طويلة نتيجة التشريعات الخاصة والاستثناءات والامتيازات المتعددة.
وقال التميمي، إن “الحديث عن إصلاح شامل لسلم الرواتب لم يعد مجرد خيار إداري، بل أصبح ضرورة لتحقيق قدر أكبر من العدالة الوظيفية والاجتماعية، ووجود موظفين يحملون المؤهلات والخبرة نفسها ويتقاضون رواتب متفاوتة بشكل كبير بسبب اختلاف الجهة التي يعملون فيها يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الإدارة العامة في العراق”.
وأكد أن “اعتماد سلم رواتب موحد يمكن أن يكون خطوة إيجابية نحو معالجة الاختلالات الحالية، إلا أن نجاحه يتوقف على تصميمه بصورة تراعي طبيعة الوظائف والتخصصات المختلفة ومستويات المسؤولية والكفاءة، فالتوحيد المطلق للرواتب قد يؤدي إلى مشكلات جديدة إذا لم يتضمن حوافز مهنية وإنتاجية تضمن استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها، خصوصاً في القطاعات التخصصية والفنية”.
وأضاف أن “أي إصلاح واسع للرواتب سيترتب عليه عبء مالي كبير قد يصل إلى عدة تريليونات من الدنانير سنوياً إذا تم اعتماد مبدأ رفع الرواتب الأدنى إلى مستويات الجهات الأعلى أجراً، ما يتطلب إجراء دراسات مالية دقيقة لتحديد مصادر التمويل وآليات التنفيذ المرحلي”.
ثم تابع أن “التحدي الأساسي أمام الحكومة يتمثل في تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، إذ لا يمكن معالجة الفوارق الوظيفية على حساب الاستقرار المالي للدولة أو زيادة العجز في الموازنة العامة، كما ان الإصلاح الناجح ينبغي أن يكون تدريجياً ومدروساً ويرتبط بإصلاحات أوسع في إدارة الموارد البشرية والإنفاق الحكومي”.
مراجعة الامتيازات الخاصة
كذلك شدد التميمي على أن “هناك ضرورة لمراجعة الامتيازات الخاصة والمخصصات والاستثناءات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، والتي أصبحت أحد أبرز أسباب التفاوت بين الموظفين، وتحقيق العدالة يتطلب إخضاع جميع المؤسسات لمعايير موحدة وشفافة قدر الإمكان”.
وأكمل حديثه أن “أي تعديل واسع للرواتب ستكون له انعكاسات مباشرة على الموازنة العامة والاقتصاد العراقي، إذ قد يسهم في تنشيط الطلب المحلي وتحسين المستوى المعيشي للموظفين، لكنه في المقابل قد يزيد الضغوط المالية والتضخمية إذا لم يقترن بإصلاحات اقتصادية ومالية متوازنة”.
وأختتم التميمي بالقول: إن “إصلاح نظام الرواتب في العراق يجب أن ينظر إليه كجزء من مشروع شامل لإصلاح الإدارة العامة، يهدف إلى تعزيز العدالة والكفاءة وترشيد الإنفاق الحكومي، بما يحقق مصلحة الموظف والدولة على حد سواء”.
ويشهد نظام الرواتب في العراق خلال العقود الماضية تعديلات متكررة نتج عنها تفاوت واضح بين العاملين في مؤسسات الدولة، نتيجة اعتماد قوانين خاصة ومخصصات واستثناءات منحت بعض الجهات امتيازات مالية تفوق ما يحصل عليه موظفون في مؤسسات أخرى رغم تقارب المؤهلات والواجبات الوظيفية.
ومع تزايد أعداد الموظفين وارتفاع فاتورة الرواتب السنوية، أصبح ملف إصلاح سلم الرواتب أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً لتأثيره المباشر على الموازنة العامة ومستوى معيشة ملايين الأسر العراقية، فضلاً عن ارتباطه بمطالب تحقيق العدالة الوظيفية وتعزيز كفاءة الإدارة الحكومية.

