شفقنا العراق-يتزامن الحراك المتعلق بحصر السلاح مع الاستعدادات لإنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق، ما يمنح الملف أهمية إضافية على المستويين الأمني والسياسي.
وتسعى الحكومة العراقية إلى إنهاء ظاهرة تعدد السلاح قبل 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، بالتزامن مع الانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واستجابة لضغوط أمريكية مستمرة تطالب بسيادة الدولة الكاملة على الأراضي العراقية.
وتشمل الخطة تسليم صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، طائرات مسيّرة هجومية واستطلاعية، قذائف كاتيوشا وراجمات الصواريخ، صواريخ مضادة للدروع، الأسلحة المتوسطة والثقيلة، إضافة إلى المدرعات والآليات العسكرية الثقيلة.التقديرات الرسمية.
وتشير تقارير أمنية عراقية إلى وجود نحو 15 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، منها 200 ألف قطعة ثقيلة، أبرزها راجمات الصواريخ ومدافع الهاون.
مرحلة جدية
دخلت مرحلة نزع سلاح الفصائل العراقية مرحلة أكثر جدية، بعد إعلان حركة عصائب أهل الحق، أحد أكبر الفصائل المسلحة في البلاد، البدء بفك ارتباطها بتشكيلات الحشد الشعبي، والشروع بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة.
وجاء إعلان العصائب، بزعامة قيس الخزعلي، عبر بيان أكدت فيه تشكيل لجنة مركزية برئاسة جواد الطليباوي، وعضوية عدد من قيادات الحركة، تتولى استكمال إجراءات فك الارتباط، وجرد الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية، تمهيداً للارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، بما ينسجم مع متطلبات الدولة ومؤسساتها الأمنية.
شبح العقوبات الاقتصادية
وقال الخبير السياسي علي السامرائي، إن “الإجراءات العملية التي تحيط بنزع سلاح الفصائل، وما أعلن عنه من توجيهات حكومية قابلته استجابة معلنة، لا يزال قيد الفعل، وموضوعاً داخل أروقة النوايا التي تنتظرها سياقات إدارية وتنظيمية”.
وأضاف السامرائي أن “الحكومة لم تظهر حتى الآن قراراً واضحاً بشأن ما ستفعله إذا لم تكتمل العملية وفق ما ينتظره الجميع، خصوصاً أن الهدف الأساسي هو إبعاد شبح العقوبات الاقتصادية عن المؤسسة المالية والمصرفية العراقية”.
وعلى المستوى الأمني، فإن قرار العصائب فتح باباً واسعاً أمام أسئلة تتعلق بطبيعة الجرد، وآليات التسليم، ومستقبل الألوية المرتبطة بها، وما إذا كان فك الارتباط سيعني نهاية النفوذ العسكري فعلياً، أم مجرد إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة ضمن عناوين قانونية جديدة.
جدول زمني
بدوره قال الخبير في الشؤون الأمنية كمال الطائي إن، “ما حصل، وإن كان إيجابياً من حيث المبدأ، إلا أنه كشف طبيعة الارتباط المعقد بين الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية، إذ لم تعد المشكلة محصورة بالسلاح نفسه، بل باتت متعلقة بمنظومة نفوذ واسعة تشمل المال، والمناصب، والتمثيل السياسي، والامتدادات الاجتماعية”.
وأضاف الطائي أن “اختبار الجدية لن يكون في إعلان اللجان أو إصدار البيانات، بل في معرفة ما إذا كانت الحكومة قادرة على إجراء جرد حقيقي للسلاح، وفصل القرار العسكري عن القرار الحزبي، ومنع بقاء تشكيلات موازية تتحرك خارج أوامر القائد العام للقوات المسلحة”.
ويرى الطائي أن “نجاح هذه العملية يحتاج إلى جدول زمني معلن، ورقابة حكومية مباشرة، وتنسيق بين المؤسسات الأمنية، مع ضمان عدم تحول عملية فك الارتباط إلى إعادة تموضع سياسي للفصائل داخل الدولة من دون تغيير جوهري في طبيعة النفوذ المسلح”.
وتأتي خطوة العصائب بعد قرار مماثل لزعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر بشأن سرايا السلام؛ ما أعطى حكومة الزيدي زخماً سياسياً إضافياً للمضي في ملف حصر السلاح، لكن هذا الزخم لا يلغي وجود فصائل أخرى ترفض حتى الآن التعاطي مع المسار ذاته، أو تربطه بانسحاب القوات الأجنبية، أو بنتائج التفاهمات الإقليمية والدولية.
وتخشى قوى سياسية من أن يكون التعامل مع الملف انتقائياً أو شكلياً، بحيث تعلن بعض الفصائل فك الارتباط من دون إنهاء بنيتها التنظيمية الفعلية، فيما تبقى فصائل أخرى خارج أي التزام حكومي، وهو ما قد يضع الدولة أمام مشهد مزدوج؛ فصائل تعلن الاندماج، وأخرى تواصل العمل تحت عناوين المقاومة أو الضغط السياسي.

