شفقنا العراق-أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لحضور الأطباء وتقديم المعلومات الصحية للجمهور، إلا أن هذا الحضور أثار نقاشاً متزايداً حول الحدود الفاصلة بين التوعية الطبية الهادفة وصناعة المحتوى القائم على جذب المشاهدات والتفاعل، في ظل مخاوف من تأثير ذلك على الصورة المهنية للطبيب.
ويشير المختص في قسم العلوم التربوية والنفسية بكلية التربية للبنات في جامعة بغداد، الدكتور مرتضى حميد شلاكة الى أن ظهور نموذج “الطبيب المؤثر” على منصات السوشيال ميديا الذي جمع بين المعرفة الطبية والقدرة على التواصل الجماهيري في إيصال المعلومة الطبية إلى الناس بصورة مبسطة، ساعد على تذليل الحواجز النفسية، التي كانت قائمة بين الطبيب والمجتمع، وهو ما أصبح واضحا وملموسا داخل المجتمع، إلا أن الصورة الجديدة لم تخلُ من إشكاليات الانتقاص من مهنة الطبيب، خاصة بعد تبني بعضهم منطق السوق الرقمي ومتطلباته، حتى بدا وكأن من أساسيات النجاح المهني اليوم إظهار الأرقام المتعلقة بعدد المتابعين وعدد احصاء اللايكات، حتى اصبحت المشورة الطبية تُقدَّم بصورة مختزلة هدفها جذب الانتباه وتحقيق “الترند”، بدل أن تكون دقيقة وشاملة كما تقتضي أخلاقيات المهنة.
تعليقات غاضبة وانتقادات حادة
لم يقف الفيديو المتداول عند حد التوعية الا أن الطبيب فعل على وفق سياسة الترويج على وفق منصات التواصل الاجتماعي، التي اتاحت تداول الافكار والمنتجات وغيرها من الاعلانات، وخلال ساعات قليلة تم تداول الفيديو على نطاق واسع في موجة تعليقات غاضبة وانتقادات حادة، لم يكن الطبيب يتوقعها، فقد رأى كثير من المتابعين أن الطبيب يحمل رسالة إنسانية قبل أي شيء، وأن أسلوب الطرد والإهانة حتى وإن كان تمثيليا لا يليق بمكانة المهنة الطبية، وتوالت التعليقات القاسية واحدة تلو الأخرى، حتى تجاوز المقطع مليون مشاهدة وأكثر من ستة آلاف تعليق، كثير منها حمل عبارات جارحة ومسيئة للطبيب وعائلته.
حاول الطبيب الرد على عدد كبير من التعليقات لتوضيح الفكرة، لكنه وجد نفسه في مواجهة موجة انتقاد متصاعدة، الأمر الذي دفعه لاحقًا إلى نشر فيديو آخر يوضح فيه أن ما جرى لم يكن سوى مشهد تمثيلي، وأنه لا توجد مريضة حقيقية، وأن الهدف كان فقط التنبيه إلى أن طلاء الأظافر، قد يؤثر في قراءة جهاز قياس الأوكسجين أثناء العمليات الجراحية، إلا أن الفيديو التوضيحي لم يحقق التفاعل ذاته الذي حققه المقطع الأول، وبقيت التعليقات القاسية تتدفق على صفحته، في مشهد يعكس الوجه الآخر لمواقع التواصل الاجتماعي التي قد تتحول في لحظات إلى منصة قاسية للحكم على الآخرين.
ومن خلال متابعته طرح الدكتور مرتضى حميد شلاكة تساؤلا: هل نحن أمام تغيّر في شخصية الطبيب وصورته بوصفه رمزا أخلاقيا ومهنيًا، أم أننا أمام إعادة تعريف لهذه الصورة؟
متابعا حديثه بإجابة مقتضبة عن الواقع الافتراضي وما يحمله من أوجه، فمن جهة أتاح الفضاء الرقمي للطبيب أن يكون أكثر قربا من الناس، وأكثر قدرة على أداء دور توعوي وإرشادي ونفسي، يتجاوز حدود المستشفى والعيادة، ومن جهة أخرى فإن تداخل المصالح، لا سيما ما يتعلق بالإعلانات والترويج، قد يهدد القيم الأخلاقية للمهنة ويؤثر في صورتها المجتمعية.
أطباء بواجهة إعلانيَّة
وعلى الرغم من إصدار وزارة الصحة، بتاريخ 16/12/2025، ضوابط والإطار العام للإعلانات الخاصة بالمهن الطبية وطب الأسنان، والتي عدّتها دليلًا لإثبات المخالفات في حال عدم الالتزام بها، فإن كثيرًا من الأطباء والمراكز والعيادات الاستشارية ما زالوا يبتعدون عن تطبيق تلك الضوابط.
ومن أبرز ما نصّت عليه التعليمات، النقطة الخامسة المتعلقة باحترام خصوصية المريض وكرامته، وضرورة أخذ موافقته أو موافقة ذويه عند نشر معلوماته أو صوره الشخصية، فضلًا عن النقطة الرابعة، التي تمنع ذكر الأسعار والعروض والخصومات بأي شكل من الأشكال.
شددت ضوابط وزارة الصحة في النقطتين الثامنة والعاشرة، على احترام أصول المهنة والذوق العام ومبادئ المجتمع، وعدم نشر أو استخدام معلومات مضللة أو غير صحيحة، إلا أن هذه البنود كانت من أكثر النقاط التي لم يلتزم بها عدد من الأطباء والعيادات والمراكز الصحية.
وأكدت التعليمات كذلك أن الغرض من الإعلان الطبي يجب أن يقتصر على التوعية والإرشاد وتقديم مادة علمية رصينة، لا أن يتحول إلى محتوى يُتداول تحت غطاء “التوعية” بينما يتضمن في مضمونه الإهانة أو التقليل من قيمة المهن الطبية الأخرى أو استغلال المرضى بأساليب ترويجية بعيدة عن أخلاقيات المهنة.
تسويق رقمي
ويشير أحد متابعي السوشيال ميديا عماد كمال بصوت مرتبك غاب عنه الإحساس بالأمان، إلى أن المشاهد الساخرة بدأت تنتشر بصورة واسعة على المنصات الرقمية تحت ذريعة “التوعية والإرشاد”، في حين أنها ـ بحسب وصفه ـ تكشف الوجه الآخر لما يُعرف بـ“أطباء البلوكر”، الأمر الذي بدأ يؤثر في الصورة الذهنية للطبيب ومكانته المهنية داخل المجتمع
ويضيف أن الطبيب، بحكم الدور الإنساني الذي يضطلع به في معالجة المرضى وإنقاذ حياتهم، تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة تستوجب قدرًا عاليًا من الوعي والالتزام المهني، لافتًا إلى أن المقارنة بين صورة الطبيب في السابق وصورته الحالية، تكشف عن تحول واضح في طبيعة حضوره داخل المجتمع.
وأوضح أن الطبيب كان يُنظر إليه في فترات سابقة، بوصفه سلطة معرفية وقامة علمية يصعب مجادلتها أو التشكيك بآرائها، إلا أن التحولات الرقمية جعلته اليوم واحدًا من أصوات متعددة تتنافس داخل فضاء مفتوح تحكمه معايير الظهور والتفاعل وسوق المحتوى، إن هذا التحول قلّص من احتكار الطبيب للمعرفة، لكنه في الوقت نفسه فتح المجال أمام انتشار معلومات قد تكون غير دقيقة، لا سيما في ظل غياب الضوابط المهنية الصارمة، التي تنظم المحتوى الطبي داخل الفضاء الرقمي.

