شفقنا العراق-أعادت أزمة البنزين الجدل بشأن آليات إدارة الأزمات الخدمية، بعدما برز تضارب واضح في تقديرات حجم الاستهلاك والعجز اليومي.
تشهد العاصمة بغداد وعدة محافظات أزمة بنزين خانقة، تجسدت في طوابير طويلة أمام المحطات وشح واضح في البنزين المحسن خاصة.
ورغم النفي الرسمي لوزارة النفط، كشفت شهادات المواطنين وتقارير تضارباً بالأرقام الرسمية، حيث قفز الاستهلاك إلى 40 مليون لتر يومياً مقابل إنتاج يتراوح بين 33 و34 مليون لتر، ما يعكس عجزاً فعلياً وفجوة في الشفافية وإدارة الأزمات بحسب مراقبين.
مشكلات وتساؤلات
ويقول عاصم جهاد خبير الطاقة والنفط، أنه ”في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة النفط عدم وجود أزمة بنزين، وتصف ما يحدث بأنه ارتفاع مؤقت في الطلب نتيجة العطلات وارتفاع درجات الحرارة أو استخدام أجهزة التكييف في المركبات، ما تزال الطوابير تتكرر أمام عدد من محطات الوقود في بغداد والمحافظات، ما يثير تساؤلات مشروعة حول حقيقة الوضع وأسباب التباين بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يلمسه المواطن يومياً”.
ويضيف، أن ”استمرار الزخم على المحطات لا يمكن تفسيره مهنياً بعامل موسمي فقط، مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حركة السفر خلال الأعياد والعطل عوامل معروفة ومتكررة سنوياً، وكان يفترض أن تكون ضمن خطط الاستعداد المسبق لدى الجهات المعنية، أما عندما تتحول هذه الزيادة المتوقعة إلى اختناقات في التجهيز وطوابير طويلة، فإن ذلك يشير إلى وجود مشكلات أخرى تتعلق بالإنتاج أو التوزيع أو الخزن أو إدارة الطلب”.
ويشير إلى أن ”علامات الاستفهام تزداد مع تضارب الأرقام المعلنة بشأن الاستهلاك، إذ تحدثت التصريحات الرسمية خلال فترات متقاربة عن ارتفاع الطلب من نحو 30 مليون لتر يومياً إلى 33 مليون لتر، ثم إلى 40 مليون لتر يومياً، وهي قفزة كبيرة تستوجب تفسيراً فنياً وإحصائياً دقيقاً، إذ يصعب تبرير زيادة بهذا الحجم خلال مدة قصيرة من دون وجود تغيرات جوهرية في حجم المركبات أو النشاط الاقتصادي أو أنماط الاستهلاك”.
بيانات وإجراءات
ويتابع المتحدث السابق باسم وزارة النفط، أن ”الخطاب الرسمي غابت عنه بيانات أساسية يفترض إعلانها للرأي العام، وفي مقدمتها حجم إنتاج البنزين من شركات التصفية الثلاث، مصافي الجنوب والوسط والشمال، والكميات المنتجة من كل نوع من أنواع البنزين، وحجم العجز الفعلي بين الإنتاج المحلي والطلب، فضلاً عن الكميات المستوردة واليات تغطية النقص عند حدوثه”.
ويلفت إلى أن ”الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والمنتجات النفطية العالمية، فالعراق ما زال يعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد بعض المكونات المحسنة وعالية الأوكتان المستخدمة في عمليات الخلط لتحسين مواصفات البنزين المحلي، لذا فإنّ أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو الشحن أو التأمين قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على كميات التجهيز ونوعية المنتج، لذا من الضروري أن تتخذ الوزارة سلسلة من الإجراءات العاجلة التي تتعلق بمعالجة أزمة نقص الغاز السائل والبنزين وعدم الانتظار حتى تتفاقم الأزمة”.
الثقة والشفافية
ويوضح جهاد، أن ”قطاع التصفية العراقي ما زال يواجه تحديات فنية وتشغيلية معروفة، رغم الإضافات المتحققة في عدد من المشاريع الحديثة، إذ ما تزال بعض المصافي القديمة تعاني من محدودية الوحدات التحويلية وارتفاع إنتاج المشتقات الثقيلة، ما يفرض ضغوطاً مستمرة على إنتاج البنزين عالي المواصفات، ولذلك فإن الحديث عن الاكتفاء الذاتي الكامل يجب أن يقترن ببيانات إنتاجية وتشغيلية دقيقة تظهر الواقع الفعلي لا التقديرات النظرية”.
ويؤكد، أن ”معالجة شكاوى المواطنين بشأن جودة البنزين، ولا سيما البنزين المحسن، لا تكون عبر النفي أو التطمين الإعلامي فقط، بل بواسطة نشر نتائج الفحوص المختبرية بصورة دورية وشفافة، وبيان أرقام الأوكتان ونسب الخلط ومطابقة المنتجات للمواصفات العراقية والعالمية، بما يعزز الثقة ويقطع الطريق أمام الشائعات والتكهنات”.
ويرى أن “جوهر المشكلة لا يكمن فقط في توفر البنزين من عدمه، بل في إدارة الأزمة إعلامياً ومهنياً، فكلما غابت الأرقام الدقيقة والبيانات التفصيلية توسعت فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة، ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس مزيداً من التبريرات، بل مزيداً من الشفافية عبر كشف حجم الإنتاج الحقيقي، ونسبة العجز إن وجدت، وكميات البنزين المستورد، ومستويات الخزين، وأسباب الاختناقات، والخطط الموضوعة لمعالجتها”.
طوابير مفاجئة
وبدأت مؤشرات أزمة البنزين بالظهور بشكل واضح مع تزايد شكاوى المواطنين من شح البنزين المحسن وامتداد الطوابير أمام محطات الوقود في بغداد وعدد من المحافظات، ومعاناة مواطني بغداد من أزمة البنزين المحسن التي استمرت منذ أول أيام عيد الأضحى، بعدما شهدت محطات الوقود طوابير طويلة، حيث وصل الأمر إلى إغلاق بعض المحطات أبوابها بسبب عدم توفر البنزين، وسط تساؤلات عن الأسباب الحقيقية للأزمة التي ظهرت بشكل مفاجئ.

