شفقنا العراق-يواجه الاقتصاد العراقي تحدياً بنيوياً يتمثل في استمرار الاعتماد على النموذج الريعي القائم على النفط، ما يعرقل التحول نحو اقتصاد إنتاجي متنوع. ويرى مختصون أن تجاوز هذا الواقع يتطلب إصلاحات عميقة في بنية الاقتصاد.
تواجه الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة علي الزيدي، تحديات اقتصادية وهيكلية ثقيلة، بالتزامن مع التحضير لموازنة عام 2026. وتأتي هذه الأزمات في ظل بلوغ الديون الداخلية نحو 140 تريليون دينار، وتسجيل عجز مالي يُقدر بـ64 تريليون دينار، وسط استمرار ارتهان البلاد للنفط الذي يغطي أكثر من 90% من الإيرادات العامة، ويمول الإنفاق التشغيلي.
وتتعمّق الضغوط مع مخاوف من انعكاس التوترات الإقليمية على صادرات الطاقة، وتزايد معدلات البطالة، وضعف القطاع الخاص، فضلاً عن معضلات الفساد؛ حيث يحتل العراق المرتبة الـ136 عالمياً على مؤشر مدركات الفساد، وسط تقديرات بهدر مئات المليارات منذ عام 2003 (الدولار = 1310 دنانير).
أزمة الموازنة والتقلبات الخارجية
يرى المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن حكومة الزيدي ستواجه تحديات مالية واقتصادية استثنائية خلال إعداد موازنة 2026، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تهدد حركة صادرات النفط عبر الخليج، واستمرار اعتماد العراق شبه الكامل على الإيرادات النفطية لتمويل الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والمشاريع الحكومية.
وأوضح صالح، أن أبرز التحديات تتمثل في ضرورة ضمان استدامة التمويل الحكومي، وسط احتمالات اضطراب الصادرات النفطية، وهو ما يتطلب إعداد موازنة أكثر تحفظاً تعتمد على افتراضات حذرة لأسعار النفط في الأسواق العالمية، بالتوازي مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام باتجاه حماية رواتب الموظفين والمتقاعدين ومخصصات الرعاية الاجتماعية والخدمات الأساسية، مع العمل على تقليص النفقات غير الضرورية.
ولفت صالح إلى أن الحكومة قد تضطر إلى إدارة العام المالي، وفق قانون الإدارة المالية، في حال تأخر إقرار الموازنة العامة للدولة، ما يكشف حجم الضبابية التي تحيط بالمشهد الاقتصادي.
ووصف موازنة 2026 المرتقبة بأنها أقرب إلى “موازنة إدارة أزمة” منها إلى موازنة تنموية، في إشارة إلى أن الأولوية ستكون للحفاظ على الاستقرار المالي، وتأمين الالتزامات الأساسية للدولة، أكثر من التوسع في الإنفاق والاستثمار.
تحديات الديون وفاتورة الإنفاق
من جانبه، قال عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، إن الحكومة الجديدة تواجه تحديات مالية واقتصادية معقدة ومتراكمة، في مقدمتها ارتفاع حجم الديون الداخلية التي بلغت نحو 140 تريليون دينار، إلى جانب عجز مالي يقدر بأكثر من 64 تريليون دينار (نحو 48.5 مليار دولار)، ما يظهر حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة للدولة.
وأضاف كوجر، أن هذه الأرقام لا ترتبط فقط بتراجع الإيرادات النفطية، أو تقلّب أسعار الخام في الأسواق العالمية، بل تعكس أيضاً مشكلات هيكلية يعاني منها الاقتصاد العراقي منذ سنوات، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على النفط مصدراً رئيساً للإيرادات، مقابل ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى في الناتج المحلي والإيرادات العامة.
وأوضح أن من بين التحديات التي تنتظر الحكومة الجديدة ارتفاع حجم الإنفاق التشغيلي، ولا سيما الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الموازنة، ما يحد من قدرة الدولة على توجيه الأموال نحو المشاريع الاستثمارية والتنموية القادرة على خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد.
كما أشار إلى أن ضعف الإيرادات غير النفطية لا يزال يمثل إحدى المشكلات الأساسية، إذ لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من بناء موارد مستقرة من الضرائب والرسوم والقطاعات الإنتاجية، ما أبقى المالية العامة رهينة لتقلبات السوق النفطية، ثم أن تراجع دور القطاع الخاص وعدم قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
أزمات هيكلية متراكمة
وحسب الباحث الاقتصادي، علي عواد، فإن التحديات التي تواجه حكومة الزيدي لا تقتصر على العجز المالي والديون، بل تمتد إلى أزمات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، في مقدمتها البطالة، والفساد المالي، والهدر، وضعف مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وأوضح عواد أن معدل البطالة بالعراق في ارتفاع متواصل؛ حيث تتجاوز بطالة الشباب 25%، مع دخول مئات الآلاف من الخريجين والشباب إلى سوق العمل سنوياً، في وقت لا يمتلك فيه القطاع الخاص القدرة الكافية على استيعاب هذه الأعداد.
وأضاف عواد، أن القطاع الحكومي لم يعد قادراً على مواصلة سياسة التوظيف السابقة، بسبب الضغوط المالية المتزايدة، وارتفاع فاتورة الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية التي تستهلك أكثر من 90 تريليون دينار سنوياً.
وأشار إلى أن الفساد المالي والهدر لا يقلان خطورة عن البطالة، لافتاً إلى أن العراق جاء في المرتبة الـ136 عالمياً على مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، فيما تتحدث التقديرات عن هدر مئات المليارات من الدولارات منذ عام 2003 نتيجة الفساد وسوء الإدارة، ثم أن ملف “سرقة القرن” وحده ارتبط بمبالغ تجاوزت 2.5 مليار دولار، ما يكشف حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة في حماية المال العام.
وأضاف أن ضعف الجباية والتهرب الضريبي والجمركي، واستمرار الهدر في العقود الحكومية والمشاريع المتلكئة يحرم الموازنة من موارد كبيرة كان يمكن أن تساهم في تمويل مشاريع إنتاجية وتوفير فرص عمل.
كذلك أكد عواد أن نجاح الحكومة في معالجة هذه الملفات يتطلب إصلاحات حقيقية تركز على تنشيط القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق العام، ومكافحة الفساد بوصفه أحد أبرز معوقات التنمية الاقتصادية في العراق.

