شفقنا العراق-الجدل الدائر حول مستقبل الإدارة الاقتصادية يكشف حجم التحديات التي تواجه العراق في البحث عن نموذج تنموي أكثر استدامة.
فتحت تصريحات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بشأن ضرورة تجاوز “العقلية الاشتراكية” في إدارة الاقتصاد نقاشاً واسعاً حول هوية الاقتصاد العراقي، وما إذا كانت البلاد تتجه فعلاً نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً، أم أنها لا تزال عالقة بين نموذج الدولة الريعية التقليدي ومحاولات الإصلاح التي تتكرر منذ سنوات دون نتائج حاسمة.
وجاءت تصريحات الزيدي خلال زيارته إلى وزارة المالية حين أكد أن دور الدولة يجب أن يتركز على التنظيم والرقابة، وأن القطاع الخاص هو القادر على قيادة التنمية الاقتصادية، معتبراً أن استمرار الاعتماد على العقلية الاشتراكية لم يعد مناسباً للمرحلة الحالية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، التي تمثل أكثر من 90 بالمئة من موارد الموازنة العامة، في مقابل تضخم الإنفاق الحكومي وارتفاع أعداد الموظفين والمتقاعدين والمشمولين بشبكات الرعاية الاجتماعية.
اقتصاد بلا ملامح واضحة
ويرى مختصون أن الجدل لا يتعلق بالاشتراكية أو الرأسمالية بقدر ما يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي العراقي نفسه؛ إذ إن البلاد لم تنجح خلال العقود الماضية في بناء اقتصاد إنتاجي متكامل، كما أنها لم تطبق اقتصاد السوق بصيغته المعروفة؛ ما جعل الاقتصاد العراقي يقف في منطقة رمادية تجمع بين الدولة الريعية والاعتماد على الاستيراد والإنفاق الحكومي.
وخلال السنوات الماضية، اعتمدت الحكومات العراقية المتعاقبة على الوفرة النفطية لتغطية النفقات التشغيلية وتمويل الرواتب والعقود والمشاريع، فيما بقيت قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار الخاص بعيدة عن لعب دور مؤثر في الناتج المحلي.
ويؤكد باحثون اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم تدخل الدولة فقط، بل في غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد، واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للتمويل، في وقت تزداد فيه أعداد الداخلين إلى سوق العمل سنوياً بصورة تفوق قدرة الدولة على التوظيف والاستيعاب.
فرصة للخروج من التبعية
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي صفوان قصي، إن “انخفاض الإيرادات النفطية وزيادة الإنفاق العام على مستوى الرواتب والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والبطاقة التموينية يفرض على الحكومة إعادة النظر في شكل الإدارة الاقتصادية الحالية”.
وأضاف قصي، أن “الدستور العراقي يتحدث بوضوح عن اقتصاد السوق؛ ما يتطلب فحص الإنفاق العام في مختلف الوحدات الحكومية وتعظيم قدرة الدولة على الجباية واسترداد كلف الخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية”.
وأوضح أن “العراق يحتاج إلى إعادة تأهيل الوحدات الحكومية وزيادة كفاءة الموارد البشرية، مع الاعتماد على القطاع الخاص كشريك في تشغيل المؤسسات المعطلة ورفع كفاءتها الإنتاجية”، مشيراً إلى أن “المزاوجة بين القطاع الخاص والشركات العالمية يمكن أن تفتح المجال أمام استيعاب الطاقات الشبابية وتفعيل رؤوس الأموال المعطلة”.
مخاوف من صدمة اجتماعية
وفي المقابل، يثير الحديث عن توسيع دور القطاع الخاص مخاوف لدى شرائح واسعة من العراقيين الذين لا يزالون ينظرون إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الضمان الوظيفي والاجتماعي الأكثر استقراراً.
ويقول مختصون إن أي انتقال اقتصادي غير مدروس قد يخلق انعكاسات متعددة، في ظل وجود ملايين الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون بشكل مباشر على الإنفاق الحكومي، فضلاً عن ضعف القطاع الخاص وعدم قدرته حالياً على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباحثين عن العمل.
كما تواجه بيئة الاستثمار في العراق تحديات مزمنة تشمل البيروقراطية والفساد وضعف النظام المصرفي وتعقيد الإجراءات الإدارية، وهي عوامل دفعت كثيراً من المستثمرين المحليين والأجانب إلى التردد في توسيع أعمالهم داخل البلاد.
دعوات لتنويع الاقتصاد
من جانبه، قال عضو مجلس النواب العراقي، حامد محمد إن “العراق لم يعد يمتلك رفاهية الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الوحيد لتمويل الدولة، خصوصاً مع التحولات الاقتصادية العالمية والتقلبات المستمرة في أسواق الطاقة”.
وأضاف أن “المرحلة الحالية تتطلب تنويع الإدارة الاقتصادية وتوسيع مصادر الإيرادات الحكومية من خلال دعم القطاعات الإنتاجية وتشجيع الاستثمار وتطوير الصناعة والزراعة والخدمات”.
وأشار إلى أن “أي إصلاح اقتصادي ناجح يجب أن يترافق مع إجراءات حقيقية لمكافحة الفساد ورفع كفاءة الإنفاق العام وضمان توجيه الموارد نحو المشاريع التنموية القادرة على خلق فرص عمل مستدامة”، مؤكداً أن “مجلس النواب يدعم التوجهات التي تسهم في تعزيز الاستقرار المالي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية”.
ويقول مختصون إن حكومة الزيدي تقف أمام اختبار اقتصادي معقد، يتعلق بكيفية الانتقال من نموذج ريعي يعتمد على النفط والوظيفة الحكومية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة الأزمات، من دون أن يتحول هذا الانتقال إلى عبء جديد على المجتمع العراقي.

