شفقنا العراق-لا تتوقف تداعيات أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز عند خسائر النفط فقط، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، من أسعار الغذاء والدواء إلى قدرة الدولة على تمويل الرواتب والخدمات الأساسية.
هذه القصة ليست مجرد حالة فردية، بل هي واجهة لأزمة أعمق وأخطر، فكيف يهدد شلل الملاحة البحرية في هرمز بانهيار الأمن الغذائي لبلد يعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من 80 بالمئة من قوته اليومي، وأين تكمن نقاط الضعف التي تجعل الاقتصاد العراقي هشاً أمام أي صدمة جيوسياسية.
النفط يتوقف.. الخزينة تنزف
البداية من الملف الأهم للعراق، النفط، فأي توقف في مضيق هرمز يعني شللاً شبه كامل للاقتصاد الريعي، هذا ما أوضحه رئيس مركز العراق للطاقة، الدكتور فرات الموسوي، مؤكداً أن أي إغلاق محتمل للمضيق سيؤدي إلى “شلل شبه كامل” في منظومة تصدير النفط العراقي، نظراً لاعتماد البلاد على المنافذ الجنوبية في البصرة والعوامات الأحادية SPM التي تمر عبر الخليج العربي.
وقال الموسوي إن “نحو 94 بالمئة من إجمالي صادرات العراق النفطية، والبالغة ما بين 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً، تعتمد بشكل مباشر على هذا الممر البحري الحيوي، ما يجعل أي انقطاع فيه بمثابة عزل كامل للإمدادات العراقية عن الأسواق العالمية، خصوصاً في آسيا وأوروبا”.
ويضيف الموسوي أن “إغلاق المضيق سيؤدي إلى توقف فوري في تدفق الصادرات، مع عدم وجود بدائل بحرية قادرة على استيعاب هذه الكميات الضخمة، الأمر الذي يعني عملياً احتجاز النفط داخل الرقعة البحرية الخليجية وتعطيل عمليات التصدير بشكل كامل”.
وفيما يتعلق بالانعكاسات الاقتصادية، يشير الموسوي إلى أن “أسعار النفط قد تشهد قفزة تاريخية تتجاوز 150 دولاراً للبرميل نتيجة نقص الإمدادات العالمية، إلا أن العراق لن يكون مستفيداً من هذا الارتفاع، إذ أن (الربح النظري) في الأسعار سيقابله (خسارة فعلية) في الإيرادات، إذ سيفقد العراق أكثر من 300 مليون دولار يومياً من العوائد النفطية نتيجة توقف التصدير”.
الغذاء والأسمدة على خط النار
يبين الخبير الجمركي مصطفى الفرج، أن “اعتماد البلاد الكبير على الاستيراد يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي إغلاق أو تعطيل في طرق التجارة العالمية”، مشيراً الى أن “العراق يرتبط بشكل مباشر بهذه الممرات البحرية، سواء في استيراد المواد الغذائية أو مدخلات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسها الأسمدة”.
ويلفت الفرج إلى أن “أي اضطراب في حركة الملاحة يؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسعار وتراجع في القدرة الإنتاجية المحلية، وارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً ينعكس بشكل مضاعف على السوق العراقية، نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي، حيث أن الأسمدة تمثل عنصراً أساسياً في إنتاج الحبوب، وبالتالي فإن أي زيادة في كلفتها تهدد الأمن الغذائي بشكل مباشر”.
مبيناً أن “العراق يواجه أيضاً تحديات داخلية تتعلق بضعف تمويل القطاع الزراعي في السنوات السابقة، ما أدى إلى تراجع قدرته على توفير المستلزمات الأساسية للفلاحين، إلى جانب إجراءات حكومية وصفها بأنها غير كافية لمعالجة جذور المشكلة، رغم بعض الخطوات الأخيرة في فتح مسارات استيراد بديلة عبر منافذ حدودية”.
سيناريو الصدمة الكاملة
وإذا اجتمع توقف النفط مع ارتفاع أسعار الغذاء، فالنتيجة هي “سيناريو الصدمة الكاملة” للاقتصاد العراقي، هذا ما لفت اليه الخبير الاقتصادي ضياء المحسن.
ويوضح المحسن أن “الاقتصاد العراقي يقوم بشكل أساسي على الريع النفطي، ما يجعل أي توقف في عمليات التصدير عبر الموانئ الجنوبية بمثابة (كارثة مالية لا يمكن تصور حجمها)، حتى في حال تسجيل ارتفاع قياسي في أسعار النفط العالمية قد يصل إلى 150 دولاراً للبرميل، إذ لن يتمكن العراق من الاستفادة من هذا الارتفاع نتيجة تعطل القدرة على إيصال الخام إلى الأسواق”.
ويبين المحسن، أن “البدائل التصديرية الحالية، مثل خط جيهان التركي أو بعض مسارات النقل البري، لا تمتلك طاقة استيعابية كافية لتعويض الكميات المفقودة من صادرات الموانئ الجنوبية، والتي تُقدّر بنحو 3 ملايين برميل يومياً”.
ثم يضيف إن “هذا السيناريو سيؤدي إلى ضغط شديد على الموازنة العامة، عبر (جفاف كامل في التدفقات النقدية بالدولار)، ما يعني عملياً عجز الحكومة عن تمويل نفقاتها التشغيلية، بما فيها الرواتب وشبكة الحماية الاجتماعية، فضلاً عن توقف أو تقلص المشاريع الاستثمارية، وقد تلجأ الحكومة إلى الاقتراض الداخلي أو السحب من الاحتياطي النقدي، إلى جانب استخدام أدوات دعم سلعي مباشر لمواجهة آثار التضخم، من طريق تعزيز البطاقة التموينية وإلغاء أو تجميد الرسوم الجمركية والضرائب على السلع الأساسية”.
مؤكداً أن “الخطر الأكبر يكمن في سوق العملة، فالاعتماد على الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي قد يكون ضرورياً كـ(جسر تمويلي مؤقت)”.
ويؤكد المحسن أن “العراق، بوصفه بلداً مستورداً لمعظم السلع الاستهلاكية، سيكون عرضة لـ(تضخم مستورد) نتيجة تزامن انخفاض قيمة العملة مع ارتفاع أسعار الغذاء وسلاسل التوريد عالمياً، ما قد يؤدي إلى تآكل سريع في القدرة الشرائية للمواطنين”.
هل هناك منافذ بديلة؟
أما خبير الطاقة والاقتصاد دريد عبد الله فيبين أن “إيران تصدر للعراق ما بين 25 إلى 30 مليون طن سنوياً بقيمة تقارب 10–12 مليار دولار، فيما تصدر تركيا نحو 13 مليار دولار سنوياً بما يقارب 14 مليون طن، وهي كتلة مهمة من الاستيرادات غير المرتبطة بالموانئ البحرية”،
مؤكداً أن “الموانئ الجنوبية تبقى منفذاً حساساً واستراتيجياً، إذ يمر عبر البحر نحو ربع مناولة البضائع غير النفطية في العراق، بما يعادل 30- 32 مليون طن سنوياً من أصل حوالي 127 مليون طن من إجمالي حركة البضائع والمواد داخل البلاد”.
ويشير عبد الله، إلى أن “إغلاق المضيق لن يؤدي إلى انقطاع فوري وشامل، لكنه سيرفع بشكل واضح كلف الشحن والتأمين، ويؤدي إلى تأخير وصول الحاويات والمواد الصناعية والإنشائية والسلع القادمة من الأسواق البعيدة في آسيا والخليج، وهو ما سينعكس سريعاً على الأسعار وسلاسل الإمداد داخل العراق_.
ثم يتابع: “أما القطاعات الأكثر تأثراً فهي الغذاء أولاً، لاعتماد السوق العراقية على استيراد جزء واسع من السلع الأساسية مثل الرز والزيوت والسكر والحبوب والمواد الغذائية المصنعة، إضافة إلى الفواكه والخضار خارج المواسم المحلية، إذ يأتي قطاع الدواء والمستلزمات الطبية في المرتبة الثانية من حيث التأثر، ليس من حيث الحجم فقط، بل بسبب حساسية التوقيت وسلاسل التبريد والتوريد المنتظمة، في حين يعد قطاع المواد الإنشائية من أكثر القطاعات تعرضاً لارتفاع الكلف، خصوصاً الحديد والأخشاب والسيراميك والمواد الصحية والكهربائية وقطع الغيار، نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد البحري أو سلاسل مرتبطة به”.
وحول البدائل، يؤكد عبد الله أن “العراق يمتلك إمكانية لتقليل المخاطر عبر تعزيز المنافذ البرية مع تركيا وإيران والأردن، واستخدام موانئ بديلة مثل مرسين التركي والعقبة الأردني، وهو ما يجري العمل عليه جزئياً حالياً”.

