شفقنا العراق-ترى ناشطات وخبيرات في شؤون المرأة أن غياب وزارة مستقلة معنية بقضايا النساء ساهم في إضعاف حضور المرأة داخل دوائر صنع القرار، وجعل ملفاتها محصورة ضمن لجان ومؤسسات محدودة التأثير لا تمتلك القدرة على إحداث تغيير فعلي.
على الرغم من الارتفاع المتواصل في معدلات العنف الأسري، واستمرار ظاهرة زواج القاصرات، وتراجع فرص تمكين النساء اقتصادياً وسياسياً، لا تزال قضايا المرأة في العراق تُدار عبر مؤسسات محدودة الصلاحيات والتأثير، في ظل انتقادات تتزايد لغياب جهة حكومية فاعلة تمثل النساء داخل دوائر صنع القرار.
وبينما تتمتع معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية بنفوذ واضح في صياغة السياسات العامة، يبقى ملف المرأة محصوراً ضمن لجان وهيئات يُنظر إليها على أنها شكلية، ولا تمتلك القدرة على إحداث تغيير ملموس في واقع النساء العراقيات.
وفي وقت تؤكد فيه ناشطات ومنظمات نسوية أن المرأة العراقية تواجه تهميشاً مركباً على المستويات القانونية والاجتماعية والاقتصادية، يعود الجدل مجدداً حول قرار إلغاء وزارة المرأة، وما إذا كان ذلك القرار قد ساهم في إضعاف حضور قضايا النساء داخل الدولة.
وفي هذا السياق، تحدثت الدكتورة ندى الجبوري رئيسة منظمة المرأة والمستقبل العراقية منتقدة طريقة تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع ملف المرأة، ومؤكدة أن غياب وزارة مستقلة للمرأة ترك آثاراً واضحة على مستوى التشريعات والحماية والتمثيل السياسي للنساء.
وقالت إن وزارة المرأة السابقة، رغم أنها كانت “وزارة بلا حقيبة”، إلا أنها كانت تمتلك قيمة معنوية وسياسية مهمة، لأن وجود وزيرة مختصة بشؤون المرأة داخل مجلس الوزراء كان يعني وجود صوت يمثل النساء بشكل مباشر أثناء مناقشة القرارات والسياسات الحكومية.
وزارة كاملة الصلاحيات
وأضافت أن الوزارة، رغم ضعف إمكانياتها ومحدودية هيكليتها، كانت تشكل جهة رسمية يمكن الرجوع إليها في كل ما يتعلق بقضايا النساء، لافتة إلى أن إلغاءها لاحقاً جاء في وقت كانت فيه المطالبات تتجه نحو تحويلها إلى وزارة كاملة الصلاحيات، وليس إنهاء وجودها بالكامل.
وأشارت إلى أن الجهات التي جاءت بعد إلغاء الوزارة، مثل “الدائرة الوطنية للمرأة العراقية” واللجنة العليا للمرأة التي شكلها رئيس الوزراء، لم تستطع أن تؤدي الدور المطلوب، بسبب غياب الصلاحيات الحقيقية وضعف الخبرة لدى بعض القائمين عليها.
وقالت إن الكثير ممن عملوا داخل تلك اللجان “لم تكن لديهم معرفة كافية بحقوق المرأة، ولا دراية حقيقية بكيفية تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع أو تحويلها إلى سياسات وقوانين نافذة”، معتبرة أن وجود أكثر من جهة معنية بالمرأة دون تأثير فعلي أو سلطة تنفيذية خلق حالة من التخبط والتهميش، بدلاً من بناء مؤسسة قادرة على الدفاع عن النساء.
وانتقدت الجبوري ما وصفته بـ”التعامل الثانوي” مع قضايا المرأة داخل الدولة العراقية، موضحة أن ملف النساء غالباً ما يتم وضعه في آخر سلم الأولويات السياسية، رغم حجم المشكلات التي تواجهها النساء يومياً.
وأكدت أن استمرار غياب قانون للعنف الأسري يكشف حجم التقصير الرسمي تجاه النساء، خاصة مع تصاعد حالات العنف داخل الأسرة، مشيرة أيضاً إلى عدم وجود قوانين حقيقية تمنع زواج القاصرات أو تحمي الفتيات من الاستغلال تحت غطاء الأعراف الاجتماعية.
ملف التمكين الاقتصادي للمرأة
وأضافت أن الحكومات العراقية أخفقت أيضاً في ملف التمكين الاقتصادي للمرأة، ما جعل أعداداً كبيرة من النساء يعشن في ظروف اقتصادية صعبة ويعتمدن بشكل كامل على الآخرين، ما يزيد من هشاشتهن الاجتماعية ويجعل الكثير منهن عاجزات عن مواجهة العنف أو اتخاذ قرارات مستقلة في حياتهن.
وشددت الدكتورة ندى الجبوري على أن المرأة العراقية لا تحتاج إلى لجان “شكلية” أو مؤسسات محدودة التأثير، بل إلى وزارة حقيقية تمتلك صلاحيات كاملة وميزانية واضحة وتمثيلاً رسمياً داخل الحكومة، تكون مهمتها الأساسية حماية حقوق النساء ومتابعة القوانين والسياسات المتعلقة بهن.
كما أكدت أن الوزارة المطلوبة يجب ألا تخضع للمحاصصة الحزبية أو تتحول إلى منصب سياسي بروتوكولي، بل ينبغي أن تُدار من قبل شخصيات تمتلك خبرة حقيقية في قضايا النساء وحقوق الإنسان، لأن “تحويل ملف المرأة إلى ورقة سياسية أفقده الكثير من الجدية”، بحسب تعبيرها.
وبينت أن النساء العراقيات حققن مكتسبات مهمة عبر عقود طويلة من النضال والعمل المدني والسياسي، إلا أن غياب جهة حكومية قوية تحافظ على هذه المكتسبات وتتابع تطويرها جعل الكثير منها مهدداً بالتراجع، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها العراق.
وأضافت، “من غير المقبول أن تبقى المرأة العراقية بلا جهة حكومية حقيقية تدافع عنها، في وقت تواجه فيه النساء العنف والتهميش والإقصاء بشكل يومي. حماية حقوق النساء ليست قضية ثانوية، بل جزء أساسي من بناء أي دولة”.
أُلغيت وزارة الدولة لشؤون المرأة في العراق عام 2015 ضمن إجراءات الإصلاح وتقليل عدد الوزارات، رغم أن الوزارة كانت تمثل الجهة الحكومية الوحيدة المختصة بملف المرأة.
ومنذ ذلك الوقت، أُوكلت بعض المهام إلى مؤسسات ولجان حكومية متعددة، بينها الدائرة الوطنية للمرأة العراقية واللجنة العليا للنهوض بواقع المرأة، وبالتزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة تطالب ناشطات ومنظمات نسوية بإعادة استحداث وزارة شؤون المرأة، وتؤكد أن غياب وزارة مستقلة بصلاحيات تنفيذية حقيقية ساهم في تراجع الاهتمام الرسمي بقضايا النساء وحقوقهن.

