شفقنا العراق-شهد شارع المتنبي خلال السنوات الأخيرة تغيرات لافتة في طبيعة النشاطات والحضور الجماهيري، إذ لم تعد الكتب والندوات الفكرية وحدها المشهد الطاغي كما في السابق، بل برزت مظاهر جديدة مرتبطة بصناعة المحتوى والبحث عن الشهرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
شارع المتنبي لم يكن يوماً مجرد شارع لبيع الكتب أو مكاناً للتجوال، بل كان رمزاً لذاكرة العراق الثقافية، ومنبراً للمثقفين والشعراء والباحثين، ومكاناً تُصنع فيه الأفكار قبل أن تُكتب في الصحف والكتب. كان المتنبي يمثل هيبة بغداد الثقافية، وصوت النخبة العراقية التي صنعت الوعي لعقود طويلة.
لكن المشهد اليوم تغيّر بصورة لافتة، حتى بات كثير من رواد الشارع يشعرون أن المتنبي فقد شيئاً من روحه الحقيقية، وتحول في بعض أوقاته إلى مساحة للفوضى والاستعراض أكثر من كونه ملتقى للثقافة والمعرفة.
ففي وضح النهار، لم تعد الكتب هي المشهد الأبرز دائماً، بل أصبحت الكاميرات، والاستعراضات الفردية، وصناعة المحتوى السريع، ومحاولات جذب الانتباه هي العنوان الطاغي عند البعض. هناك من يأتي إلى المتنبي لا ليقرأ كتاباً أو يحضر ندوة، بل ليظهر أمام الجمهور ويصنع “لقطة” تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا تبدأ مشكلة حقيقية؛ لأن الثقافة تتحول تدريجياً من مشروع وعي إلى مشروع شهرة.
أما ليلاً، فالصورة تصبح أكثر تعقيداً. فغياب التنظيم الواضح، وانتشار بعض الظواهر غير المنسجمة مع هوية الشارع الثقافية، جعل كثيراً من العائلات والمثقفين يشعرون بأن المكان لم يعد يحمل الطمأنينة والهيبة ذاتها التي عرفوها سابقاً. وليس المقصود هنا محاربة الفن أو المواهب أو الحضور الشبابي، بل الاعتراض على الفوضى التي تلغي هوية المكان الأصلية.
الحضور الإعلامي
المشكلة ليست في الشباب، ولا في المواهب، ولا حتى في الحضور الإعلامي، بل في غياب الضوابط الثقافية والإدارية التي تحفظ شخصية المتنبي. فكل مدينة محترمة في العالم تحافظ على رموزها الثقافية من التحول إلى ساحات عشوائية، لأن قيمة المكان لا تُقاس بعدد الزائرين فقط، بل بنوعية الرسالة التي يقدمها.
إن إنقاذ شارع المتنبي لا يحتاج إلى قرارات معقدة، بل إلى رؤية تعيد التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الهوية. المطلوب أن يبقى الشارع فضاءً حراً للفكر والفن الحقيقي، لا أن يتحول إلى منصة ضجيج واستعراض مؤقت. فالمتنبي ليس “ترنداً” عابراً، بل تاريخ مدينة كاملة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد لشارع المتنبي أن يبقى ذاكرة بغداد الثقافية، أم نتركه يذوب تدريجياً وسط فوضى الشهرة السريعة؟

