شفقنا العراق-تتزايد الضغوط المعيشية على العمال العراقيين مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأجور، في وقت يفتقر فيه كثير منهم إلى أبسط أشكال الحماية القانونية والاجتماعية.
ومع تآكل القدرة الشرائية للأجور، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الفقر والبطالة المقنعة، خصوصا في المحافظات التي تعاني هشاشة اقتصادية وضعفا في فرص العمل.
وفي محافظة الديوانية، التي تعد من أكثر المحافظات معاناة من الفقر والبطالة، تتجسد الأزمة بوضوح في حياة العمال الذين يعتمدون على العمل اليومي غير المستقر مصدرا وحيدا للرزق، وسط غياب الضمانات الاجتماعية وضعف الرقابة على سوق العمل.
يوميات عامل يطارد لقمة العيش
سعيد، رجل في الخامسة والأربعين من عمره، متزوج وأب لخمسة أطفال، ويعيل والديه المسنين في منزل متواضع يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. مع ساعات الفجر الأولى، يغادر منزله يوميا بحثا عن فرصة عمل مؤقتة في مواقع البناء أو أعمال التحميل أو أي عمل شاق قد يوفر له أجرا يسد جزءا من احتياجات أسرته.
لكن الواقع يبدو أكثر قسوة؛ فالأجر الذي يحصل عليه، والذي لا يتجاوز غالبا 25 ألف دينار يوميا، لم يعد كافيا لتغطية متطلبات الغذاء والدواء والإيجار، في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
ويقول سعيد وهو يحاول إخفاء آثار سنوات طويلة من التعب والكفاح: “نطلع ندوّر شغل يوم بيوم، وإذا اشتغلنا ما يكفينا حتى أساسيات البيت. أريد شغل ثابت حتى أضمن مستقبل أطفالي، تعبت من هذا الوضع”.
هذا الواقع لا يخص سعيد وحده، بل يعكس معاناة شريحة واسعة من العمال العراقيين الذين يعيشون على الأجر اليومي، من دون استقرار وظيفي أو ضمان اجتماعي، ما يجعلهم من أكثر الفئات هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية.
أجور متآكلة وغلاء متصاعد
تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن الأجور اليومية للعمال لم تعد تواكب معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصا مع زيادة أسعار المواد الغذائية والنقل والخدمات الصحية والتعليمية.
فالعامل الذي كان يستطيع قبل سنوات تغطية احتياجات أسرته الأساسية بمبلغ محدود، أصبح اليوم عاجزا عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ويرى مختصون أن اتساع القطاع غير المنظم في العراق أسهم في تكريس هذا الواقع، إذ يعمل عدد كبير من العمال خارج الأطر القانونية التي تضمن حقوقهم الأساسية، مثل تحديد ساعات العمل وتوفير الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.
دعوات نقابية لإصلاح سوق العمل
في ظل هذه الظروف، دعا نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، رحيم الغانمي، إلى تشديد الرقابة على معايير السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل، مؤكدا أهمية توفير بيئة عمل تحفظ كرامة العامل وتضمن سلامته.
وقال الغانمي، إن من الضروري اعتماد سياسات عادلة تكفل الأجر المنصف والاستقرار الوظيفي والحماية القانونية للعمال، مشيرا إلى أهمية الحد من العمالة الوافدة غير القانونية وتنظيم سوق العمل.
كما شدد الغانمي على ضرورة تفعيل القطاع الخاص وإعادة تشغيل المعامل المتوقفة، إلى جانب تنظيم سياسة الاستيراد بشكل مدروس، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
وكشف الغانمي عن وجود مقترح لرفع الحد الأدنى لأجور العمال إلى أكثر من 30 ألف دينار عراقي يوميا، مع ضمان استمرارية العمل وتحسين الظروف المعيشية للعمال.
اقتصاديون: الخلل في التطبيق لا في القوانين
من جانبه، يؤكد الاقتصادي مصطفى فرج أن العامل العراقي يواجه ضغوطا معيشية متفاقمة نتيجة ارتفاع تكاليف الحياة وتآكل القدرة الشرائية، في ظل بيئة عمل غير منظمة بما يكفي لحماية حقوقه.
ويقول فرج إن اضطرار بعض العمال إلى العمل لساعات طويلة قد تصل إلى 16 ساعة يوميا مقابل أجور متدنية، يعكس خللا واضحا في تطبيق القوانين وضعف الرقابة على سوق العمل.
ويضيف أن قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 تضمّن نصوصا واضحة تتعلق بتنظيم ساعات العمل والأجور والضمانات الاجتماعية، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التنفيذ وغياب الإجراءات الرادعة بحق المخالفين، ما يفتح المجال أمام استغلال العمال، ولا سيما في القطاع غير المنظم.
ويرى فرج أن استمرار هذا الوضع لا يهدد العمال فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بواسطة تعميق الفجوة الطبقية وإضعاف الإنتاجية على المدى البعيد.
مطالب بإصلاحات عاجلة
ودعا فرج الحكومة إلى تبني إصلاحات حقيقية لمعالجة أزمة العمال، أبرزها تفعيل الرقابة على سوق العمل وضمان الالتزام بساعات العمل القانونية، وإعادة النظر في هيكل الأجور بما يتناسب مع مستويات المعيشة والتضخم، وتصنيف العمال وفق فئات مهنية واضحة وربط الأجور بمؤشرات الدخل وتكاليف الحياة.
كما دعا إلى توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل العاملين في القطاع غير الرسمي، ودعم النقابات العمالية وتمكينها من الدفاع عن حقوق العمال بصورة أكثر فاعلية.

