شفقنا العراق-لم يعد الحديث عن التعايش السلمي في العراق مجرد خطاب أخلاقي أو مناسبة أممية عابرة، بل تحول إلى سؤال وجودي يرتبط بمستقبل الدولة واستقرار المجتمع بعد عقود من الحروب والانقسامات والأزمات المتراكمة.
أقرت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة يوم السادس عشر من أيار من كل عام يوماً عالمياً للعيش معاً بسلام، بوصفه حالة إنسانية تدعو شعوب العالم إلى نبذ العنف والكراهية، وتعزيز قيم التسامح والتفاهم والاحترام المتبادل بين الثقافات والأديان والمجتمعات المختلفة.
ويهدف هذا اليوم إلى ترسيخ ثقافة الحوار بدل الصراع، والإيمان والتأكيد على أن التنوع الإنساني ليس سبباً للانقسام بل مصدرٌ للغنى الحضاري والروحي.
كما يشجع على بناء مجتمعات أكثر عدلاً وتعاوناً، تقوم على التعايش السلمي، واحترام حقوق الإنسان في الوقت الذي يزداد العالم اضطراباً وتهميشاً للآخر المختلف وفق تصور التفوق العرقي.
بهذا الصدد، قال سفير العراق الدائم في الأمم المتحدة لقمان عبد الرحيم الفيلي إن “التعايش ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل نتيجة مباشرة لقدرة الدولة على حسن إدارة الاختلاف. وعندما تضعف هذه القدرة، يتحول “العيش المشترك” إلى شعار يؤجل الصراعات عوضاً عن معالجتها، لا سيما أن أغلب النزاعات المعاصرة لم تعد بين الدول، بل داخلها، نتيجة الانقسامات الدينية أو القومية أو السياسية”.
ويضيف “إن إدارة التنوع لم تعد قضية اجتماعية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية وبقدرة الدولة على الاستمرار وتوفير الرفاه”.
العيش معاً
غير أن الحديث عن “العيش معاً” كما يقول الفيلي غالباً ما يُطرح بوصفه دعوة للحوار والتسامح، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في بنية الدولة نفسها.
فالمجتمعات المنقسمة لا تستقر بالمواعظ والبيانات، بل عبر مؤسسات قادرة على فرض القانون، وضبط التنافس، وتوزيع الحقوق والموارد بعدالة، ولا يمثل العيش المشترك خياراً، بل ضرورة فرضها التنوع البنيوي للمجتمع.
لكن التحدي من وجهة نظر الفيلي لا يكمن في قبول الآخر، بل في كيفية إدارة هذا التنوع ضمن دولة مستقرة وقادرة وعادلة. ولفت الفيلي إلى أنه بعد عام 2003، جرى اعتماد نموذج “التعايش التوافقي” القائم على تقاسم النفوذ بين القوى السياسية.
وقد أسهم هذا النموذج في احتواء بعض الأزمات مرحلياً، لكنه لم ولن ينجح في بناء دولة مستقرة، بل ترسخت المحاصصة مع الزمن، وربطت الموارد بالهوية، وأضعفت الكفاءة والنزاهة وثقة المواطن بمؤسسات الدولة. ومع الوقت، تحول التعايش من إطار لبناء الدولة وتعافيها إلى آلية لإدارة الهشاشة.
وعن تأثير الانتماءات الفرعية في منع التعايش، يؤكد الفيلي أنها قد تكون أداة أساسية للوصول إلى السلطة والموارد، كما تراجعت فكرة المواطنة الجامعة، وضعفت الدولة تبعاً في قدرتها على فرض قواعد موحدة على الجميع، مردفاً: “العيش معاً” يجب أن ينطلق من ثلاث حقائق أساسية: لا تعايش مستداما من دون احتكار الدولة لاستخدام القوة، لا مواطنة حقيقية في ظل اقتصاد سياسي قائم على الريع وتقاسم النفوذ، لا إدارة فعالة للاختلاف مع تعدد مراكز القرار داخل الدولة.
وتابع: “إن المطلوب ليس التعايش أو حتى تحسين نموذج التعايش الحالي، بل الانتقال إلى تعايش مؤسسي يقوم على دولة عادلة تحترم كرامة الإنسان، ومواطنة متساوية تحترم المواطن بمعزل عن خلفيته، ومساءلة تعالج الفساد وتربط السلطة بالنتائج”.
ثقافة التسامح
يقول النائب عن المكوّن الإيزيدي خالد سيدوا : إن :اليوم الدولي للعيش معاً بسلام لا يقتصر على كونه مناسبة رمزية، بل يمثل دعوة حقيقية لترسيخ حقوق الأقليات وصون كرامتها داخل أوطانها”، مؤكداً أن “ضمان العيش المشترك يبدأ بالاعتراف بالتنوّع وحمايته قانونياً ومجتمعياً”.
وأضاف أن “الأقليات في العراق كانت ولا تزال جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ومن حقها أن تنعم بالأمن والاستقرار والمشاركة العادلة في الحياة السياسية والخدمية، بعيداً عن أي تمييز أو تهميش”.
مشدداً على أن “تعزيز ثقافة التسامح لا يكتمل إلا بإنصاف هذه المكوّنات وتمكينها من حقوقها الدستورية كاملة”.
وأشار إلى أن “العيش معاً بسلام يعني الوقوف بوجه خطابات الكراهية، والعمل الجاد على جبر الضرر الذي لحق بالأقليات جراء النزاعات، بما يضمن مستقبلاً قائماً على العدالة والمساواة واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية لجميع العراقيين”.
سهولة التنظير
من جانبها، قالت الباحثة اللبنانية نازك بدير إنّه على الرغم من الطفرة الهائلة التي شهدها العالم على صعيد التكنولوجيا، فإنّها لم توفّر للبشرية عناصر العيش الآمن والمستقر، بل على العكس، تعاظمت مشاعر الخوف وانعدام الثقة، واشتدّت الحاجة إلى العيش بسلام في ظلّ الحروب والنزاعات والانقسامات والصراعات المستمرّة.
وأضافت أنّ هذا المفهوم يتطلّب الانفتاح على الآخر المختلف في الرأي والثقافة والدين والسياسة، وتقبّله عبر إيجاد قنوات اتصال وحوار، مهما بلغت الفوارق، فالعيش معاً بسلام، سواء داخل المجتمع الواحد أم في الدول المتعدّدة الإثنيات والثقافات، يعني قبول الآخر لا بوصفه أمراً مفروضاً، بل شريك في الوطن ومكوّن أساسي من مكوّنات الدولة؛ لأنّ الاختلاف ضرورة وجودية للتكامل، ولا يحقّ لأيّ مكوّن، مهما بلغ شأنه، أن يدّعي التفوّق أو يمارس الإقصاء والعنصرية تجاه المختلفين معه.
وأوضحت بدير أنّ التنظير لفكرة العيش المشترك يبدو سهلاً، غير أنّ التحدّي الحقيقي يكمن في التطبيق العملي على أرض الواقع، عبر ردم الفجوات بين الأطراف المختلفة، وتصفير الخلافات، وتعزيز الحوار، ووأد الفتن قبل تفاقمها.
كما أكدت أنّ ذلك يستلزم إعادة النظر في التربية المجتمعية، وغرس قيم الانفتاح وقبول الرأي الآخر، وتجسير العلاقات، ونبذ الصراع بمختلف أشكاله، إذا ما أُريد فعلاً بناء مجتمع قادر على العيش معاً في سلام.
غصن الزيتون
كذلك وصفت التربوية في ثانوية صدى المعرفة للطلبة الموهوبين ميادة مظهر عباس السلام الداخلي والتعايش السلمي بأنهما حالة إنسانية واحدة، مؤكدةً أنّ استقرار الإنسان وتصالحه مع نفسه ينعكسان بصورة داخلية وخارجية تمكّنه من التعامل مع ضغوط الحياة بهدوء عقلي وروحي، ما يدفعه إلى تقبّل الاختلافات الدينية والثقافية والفكرية.
وأضافت أنّ السلام الداخلي يعزّز مهارات التواصل والتسامح والعمل الجماعي، بما يسهم في بناء مجتمع مستقر، ويشكّل أساساً قوياً لضمان نموّه الاجتماعي والاقتصادي، مشيرةً إلى أنّ كل ذلك يبدأ من التربية والتعليم في مختلف مراحلهما، عبر ترسيخ معاني السلام ودلالاته في نفوس الأفراد.
وبيّنت عباس أنّ التعايش السلمي لا يمكن أن يتحقق في أي مجتمع ما لم يمتلك أفراده قدراً كافياً من السلام الداخلي القائم على الاحترام والحوار البنّاء، متسائلةً: “كم منّا يحمل في داخله حمامةً مع غصن الزيتون؟”.

