شفقنا العراق ــ تواجه الطيور المهاجرة في الأهوار العراقية خطر الانقراض الجماعي نتيجة تضافر أزمتي الجفاف الحاد وتصاعد عمليات الصيد الجائر، ما أدى إلى تراجع مخيف في أعداد الأسراب الوافدة.
وفي ظل غياب الإجراءات الرادعة، حذر خبراء وناشطون بيئيون من أن فقدان هذه الطيور يمثل ضربة قاصمة للتنوع الأحيائي في العراق، خاصة مع تحول مساحات شاسعة من الموائل المائية التاريخية إلى أراضٍ قاحلة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الفطرية.
واليوم العالمي للطيور المهاجرة مناسبة توعوية أُطلقت عام 2006 بتنسيق من هيئة الأمم المتحدة للبيئة، ويجري الاحتفال بها مرتين في العام، في السبت الثاني من شهري أيار وتشرين الأول، تقديرا للطبيعة الدورية لهجرة الطيور وفترات ذروة الهجرة المختلفة في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي.
تعزيز الاهتمام بالطيور المهاجرة
وقال المدير الإقليمي لمنظمة طبيعة العراق، المهندس جاسم الأسدي، إن “اليوم العالمي للطيور المهاجرة يوم توعوي لتعزيز الاهتمام بالطيور المهاجرة والحفاظ عليها، وتأمين الحماية المطلوبة للأنواع المهددة منها بالانقراض”.
مشددا على ضرورة التوعية بأهمية الطيور في الحفاظ على التنوع البيئي.
وأضاف الأسدي أن “الطيور المهاجرة تقطع آلاف الكيلومترات في رحلاتها من أفريقيا وسيبيريا وشمال أوروبا نحو المناطق الدافئة، ومنها الأهوار العراقية”.
ويرى الأسدي أن الاحتفاء باليوم العالمي للطيور المهاجرة لا يحظى بالاهتمام المطلوب على المستوى الرسمي، مشيرا، في المقابل، إلى ما قامت به المنظمات المجتمعية خلال الأعوام المنصرمة من حملات توعوية للحد من الصيد الجائر للطيور المهاجرة، ولا سيما الأنواع المهددة بالانقراض.
وكشف المدير الإقليمي لمنظمة طبيعة العراق عن تراجع في أعداد الطيور المهاجرة في الأهوار العراقية، بفعل ما شهدته من جفاف وتذبذب في مناسيب المياه، فضلا عن المتغيرات المناخية الكبيرة التي رافقت الأعوام القليلة الماضية.
وأكد أن موائل الطيور المهاجرة في الأهوار، مثل البركة البغدادية وبحيرة أم الطيار ومنطقة السناف وبحيرة أم النعاج، تعرضت للجفاف خلال الأعوام المذكورة، قبل أن تستعيد عافيتها قبل بضعة أسابيع.
تأثيرات الجفاف
وأوضح الأسدي أن “بيئة الطيور المهاجرة تأثرت كثيرا بالجفاف اعتبارا من عام 2022 وصولا إلى مطلع العام الحالي، وأن بعض المناطق تحولت من بيئات مائية إلى صحراوية”، لافتا إلى أن بعض الطيور لم تعد تجد مأوى مناسبا لبناء أعشاشها ووضع بيوضها خلال تلك الأعوام.
وتابع أن “الطيور التي كنا نجد منها أسرابا كبيرة في سبعينيات القرن العشرين، مثل البط الأبيض العائم والحذاف المعرق، أخذت أعدادها تتراجع بصورة كبيرة في الأعوام الأخيرة بفعل المتغيرات المناخية”، مضيفا: “اليوم نرى قلة من الطيور في مناطق الأهوار”.
وعن أثر الصيد الجائر في تكاثر الطيور بمناطق الأهوار، قال الأسدي إن “الصيد الجائر فتك هو الآخر وبصورة كبيرة بأسراب الطيور، خاصة بعد اعتماد حيل ووسائل تؤدي إلى الصيد الجائر والقتل الجماعي”.
وتحدث عن استخدام البنادق والشباك وطيور بلاستيكية تطلق أصواتا مماثلة لأصوات الطيور، لغرض استدراج الطيور المهاجرة وصيدها، منوها إلى أن “الصيادين باتوا ينثرون الحبوب في البحيرات، ولا سيما البحيرات الاصطناعية، لغرض استدراج الطيور، ثم يقومون باصطيادها عبر شباك خاصة أو من خلال بنادق صيد سريعة الإطلاق”، واصفا ذلك بأنه صيد جائر للطيور.
وأشار إلى أن “عمليات بيع الطيور تجري علنا في أسواق مناطق الحمار والمدينة والفهود وغيرها خلال مواسم هجرة الطيور إلى مناطق الأهوار”.
وفي السياق ذاته، يتحدث سكان الأهوار عن تراجع كبير في أعداد أنواع أخرى من الطيور الأوروبية المهاجرة التي كانت تعج بها مناطق الأهوار، مثل الحذاف بأنواعه الصيفي والشتوي، والبجع الأبيض، والإوز، والخضيري، وأبو زلة، والبط السماري، والشهرمان، وأبو ملعقة، وأبو منجل الأسود، واللقلق الأبيض، والبلشون الجبار، والبلشون الرمادي “مالك الحزين”، والغطاس الصغير، والغطاس المتوج الكبير، وغيرها.
ونوه السكان إلى أن بين الطيور المهاجرة أنواعا أخرى مهددة بالانقراض ومدرجة ضمن القائمة الحمراء، وأن مواسم جفاف الأهوار زادت من المخاطر المهددة لها.
وفي المقابل، تطرقوا إلى أنواع أخرى من الطيور المحلية المستوطنة في الأهوار، مثل البلشون الأرجواني والأبيض، والبلشون الأبيض الكبير، والمهلهل، والسميجي، وغيرها.
اختفاء الطيور المهاجرة
وكان ناشطون في مجال بيئة الأهوار قد كشفوا، في منتصف تشرين الأول 2025، عن اختفاء تام للطيور المهاجرة في سماء الأهوار الجنوبية، محذرين من مخاطر الجفاف والمتغيرات المناخية على أنواع من الطيور المهددة بالانقراض.
كما أشاروا إلى استحداث بحيرات اصطناعية في مناطق عراقية جافة لغرض استدراج الطيور وصيدها بطريقة جائرة، وإلى إنشاء 4 بحيرات أخرى في دولة الكويت لأغراض سياحية.
وتعد هجرة الطيور حالة مستدامة في أهوار جنوب العراق، حيث تهاجر ملايين الطيور من سيبيريا والصين وروسيا والبلدان الأوروبية إلى مناطق الأهوار في جنوب العراق في نهاية شهر تشرين الأول.
وقد اعتاد السكان المحليون صيد تلك الطيور للغذاء وكمورد اقتصادي منذ القدم، إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعا كبيرا في أعدادها نتيجة الجفاف الذي ضرب أكثر من 90 بالمئة من مناطق الأهوار في المواسم السابقة، إلى جانب مظاهر سلبية أخرى في عمليات الصيد، مثل استخدام السموم والمبيدات الكيمياوية والبنادق والشباك ذات العقد الصغيرة.
ويعد اليوم العالمي للطيور المهاجرة حملة توعية سنوية تسلط الضوء على ضرورة حماية الطيور المهاجرة وموائلها، وتحظى هذه الحملة بانتشار عالمي بوصفها أداة للمساعدة في رفع مستوى الوعي بالمخاطر التي تواجه الطيور المهاجرة، وأهميتها البيئية، وضرورة التعاون الدولي لحمايتها.
وفي كل عام، ينظم الناس حول العالم فعاليات عامة، مثل مهرجانات الطيور، والبرامج التعليمية، والمعارض، ورحلات مراقبة الطيور، احتفالا باليوم العالمي للطيور المهاجرة.
ويمكن تنفيذ هذه الأنشطة في أي وقت من السنة، إذ تختلف مواعيد ذروة الهجرة من بلد إلى آخر، فيما تقام الاحتفالات الدولية الرئيسية في ثاني سبت من شهري أيار وتشرين الأول.

