شفقنا العراق-أثار قرار الأمانة العامة لمجلس الوزراء بشأن فرض “ضريبة الاستقطاع المباشر” على المنظمات غير الحكومية موجة اعتراضات واسعة داخل الأوساط المدنية والحقوقية.
أقرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 30 آذار الماضي، سلسلة من الإجراءات، ركزت على التحاسب الضريبي للمنظمات غير الحكومية (NGOs) وفرض “ضريبة الاستقطاع المباشر” عبر قسم خاص في الهيئة العامة للضرائب لتولي هذه المهمة، في خطوة قوبلت من بعض الأطراف بانتقادات واستفهامات.
وأثار الإعلان عن هذا القرار، العديد من المخاوف التي من الممكن أن تنعكس على العمل المدني وتهدد امكانية استمراره في البلاد، وتعارض الناشطة في الحقوق الإنسانية خلود سعد هذا القرار، وترى أن المسألة أكبر من “جزئية الضريبة”، وأنه يمثل خطوة لتحجيم دور المنظمات غير الحكومية أو تقليص حركة مشاريعها.
وتقول سعد إن “الاحتساب الضريبي مهما كانت قيمته، سيكون عبئاً يقع على كاهل تلك المنظمات التي ستختار الانسحاب من العمل المدني أو تقليل أعمالها والحد منها بشكل كبير، وبالتالي يكون وجودها من عدمه بنفس الحصيلة”.
وتشير الناشطة إلى أن غالبية المنظمات غير الحكومية اليوم تعاني من قلة الموارد المالية ومن عدم قدرتها على توفير احتياجاتها من بدلات إيجار وعاملين فيها، فما بالك بفرض ضرائب مالية؟
الجانب المالي والرقابي
ويأتي فرض الضريبة على منظمات المجتمع المدني في وقت يعاني منه القطاع الإنساني في العراق من أزمة تمويل غير مسبوقة، مع تراجع حاد في المنح الدولية خلال الأعوام القليلة الماضية، مما دفع بعض المنظمات إلى حافة الإغلاق وشل العديد من برامجها الإغاثية والتنموية وإيقاف مشاريعها.
ويصل عدد المنظمات المسجلة رسمياً والممنوحة إجازة العمل حتى نهاية العام 2023 إلى أكثر من 5000 منظمة محلية، وأكثر من 100 فرع لمنظمات أجنبية، وفقاً للمتحدث باسم الأمانة العامة لمجلس الوزراء حيدر مجيد.
من جهتها، ترى رئيس جمعية سيدات الأعمال العراقية للتطوير الاقتصادي المحامية زينب عبد الحسين عاشور أن فرض الضرائب على منظمات المجتمع المدني يُعدّ قراراً ذا آثار مباشرة على قدرة هذه المنظمات في أداء دورها الإنساني والحقوقي والتنموي، لاسيما وأن أغلب المنظمات لا تعمل بمنطق الربح التجاري، بل تعتمد على منحٍ ومساعدات مخصصة لتنفيذ برامج مجتمعية تخدم الشرائح الهشة والنساء والشباب والنازحين وملفات التوعية والدعم القانوني والإنساني.
وتعتقد رئيس الجمعية، والحاصلة على دكتوراه في القانون الجنائي، أنه ومن الناحية العملية، فإن أي استقطاع ضريبي سيؤدي حتماً إلى تقليص حجم الأنشطة والمشاريع، وهذا الأمر حسب زينب، قد يدفع بعض المنظمات إلى إلغاء برامج تدريبية أو حملات توعوية أو تقليل عدد المستفيدين، خصوصاً في ظل محدودية التمويل واشتراطات الجهات المانحة التي تحدد أوجه الصرف بدقة.
أما بشأن أسباب هذا القرار، فترى زينب أن الدولة تسعى إلى زيادة الإيرادات وتنظيم الجانب المالي والرقابي لعمل المنظمات.
وتضيف أن “هذا حق سيادي من حيث المبدأ، لكن ينبغي التمييز بين الجهات الربحية والمنظمات التي تؤدي دوراً مكملاً لدور الدولة في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والإغاثة”، مشيرة إلى أن المعادلة يجب أن تقوم على التنظيم لا التضييق، وعلى الشراكة لا المعاقبة المالية.
وفي ما يتعلق بالمبالغ المتوقعة من احتساب الضرائب على المنظمات غير الحكومية، تقول رئيس الجمعية إنها “ستختلف بحسب حجم المنظمة ومشاريعها، إلا أن بعض المنظمات قد تُلزم بدفع مبالغ سنوية كبيرة تستنزف جزءاً مهماً من ميزانياتها التشغيلية، ما سينعكس بصورة مباشرة على استمرارية البرامج المجتمعية والخدمات المجانية المقدمة للمواطنين”.
وتسرد وهي تتابع حديثها “بصفتي رئيسة منظمة ومحامية ومدافعة عن حقوق الإنسان، أرى أن المعالجة الصحيحة لا تكون بفرض أعباء مالية مفاجئة، وإنما عبر حوار مؤسسي مع المنظمات، ووضع ضوابط عادلة تراعي طبيعة عملها غير الربحي، مع إمكانية منح إعفاءات أو تخفيضات للمنظمات ذات الطابع الإنساني والتنموي”.
ويضع هذا القرار المنظمات غير الحكومية أمام اجراءات المواجهة، كما تؤكد زينب فإن “المنظمات ستلجأ إلى الوسائل القانونية والدستورية المشروعة، ومنها المخاطبات الرسمية، وطلب إعادة النظر بالقرار، وفتح حوارات مع الجهات التشريعية والتنفيذية، فضلاً عن دراسة الطعون القانونية إذا ثبت وجود تعارض مع القوانين النافذة أو مع المبادئ الدستورية التي تكفل دعم المجتمع المدني وتعزيز دوره في بناء الدولة والمجتمع”.
وتقول رئيس الجمعية إن “منظمات المجتمع المدني ليست عبئاً على الدولة، بل شريك حقيقي في معالجة الأزمات، وتعزيز الاستقرار، ونشر الوعي القانوني والإنساني، وأي قرار يمس قدرتها يجب أن يُدرس بعناية فائقة حفاظاً على المصلحة العامة”.
الظروف الماليَّة
وتعترف الناشطة في حقوق المرأة والطفل نغم حسين، بأنها ومنذ أعوام اوقفت العمل في منظمتها التي تعنى بحقوق المرأة والطفل نتيجة لتغير الظروف المالية وعدم قدرتها على تمويل برامجها.
وتقول حسين إن “فرض الضرائب على المنظمة يعني إهمالها أو ربما غلقها وإلى الأبد”.
لكن هذا لا يمنعها من انتقاد هذا القرار، كما تضيف حسين أن “الوقت لا يكون بصالح منظمات المجتمع المدني إذا لم تتحرك الآن وبسرعة لحماية وجودها”.
وتتمنى من الجهات الحكومية احتواء هذه الأزمة عبر الحوار وخاصة بعد اصدار بيان عن منظمات المجتمع المدني العراقي تعلن رفضها لهذا القرار الذي تعده مخالفة لقانون المنظمات ويتعارض مع الالتزامات الدولية للعراق.
نشاط المنظمات
ويرى خبراء القانون والمنظمات الحقوقية أن قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010 ينص على أن هذه الجهات تسعى لتحقيق أغراض غير ربحية.
ويعتقد القانوني مدير مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية الدكتور علي مهدي أن الرأي القانوني الذي يستند إلى الإطار التشريعي العراقي (قانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 لسنة 2010 وقانون ضريبة الدخل) ووفقا للمادة (39) يكفل حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها.
ويتابع أن “فرض الضرائب لا يُعد بحد ذاته مخالفاً للدستور إذا كان عاماً وغير تمييزي، ولا يؤدي إلى إعاقة جوهر الحق، لكن يصبح غير دستوري في حال إذا أدى إلى تعطيل الحق، وإذا كانت الضرائب مرتفعة بشكل يؤدي إلى شل نشاط المنظمات أو تُفرغها من مواردها، فهنا يعد تقييداً غير مباشر لحرية التنظيم، وقيود غير متناسبة إذ استهدفت فئة محددة، أو فرضت الضريبة على منظمات من دون غيرها، أو بشكل انتقائي سياسي.
ويشير مهدي إلى أن هذا يخالف مبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ الحياد الإداري.
ويرى مهدي أن الضريبة مشروعة شكلاً لكنها قد تكون غير دستورية مضموناً حسب طريقة تطبيقها.

