شفقنا العراق-سلّطت جلسة حوارية داخل البرلمان الأوروبي الضوء على تجربة إقليم كردستان بوصفها نموذجاً للتسامح والتعددية الدينية في منطقة لا تزال تعاني من الانقسامات والصراعات الطائفية.
استضاف البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي جلسة حوارية استمع فيها الى مدى إمكانية أن يكون إقليم كردستان نموذجا للتسامح والتنوع والتعايش الديني في منطقة الشرق الأوسط في وقت لا تزال فيه أجزاء كبيرة من المنطقة تواجه عدم الاستقرار، حيث يتمتع فيه المسيحيون وبقية الاقليات بتمثيل مضمون وعادل في برلمان كردستان ويشكلون جزء أساسيا في العملية التشريعية.
وفي مداخلة له في المؤتمر الذي استضافته عضوة الاتحاد الأوروبي الرومانية في البرلمان الاوروبي جورجيانا تيودوريسكو في 6 أيار / مايو 2026، قال آورنغ شاويس عضو منظمة حقوق الانسان بلا حدود (HRWF) التابعة للاتحاد الأوروبي انه في وقت لا تزال فيه أجزاء كبيرة من المنطقة تواجه عدم الاستقرار، وصراعات الهوية، وتساؤلات الانتماء، يصبح من الضروري تسليط الضوء على أماكن ومساحات يظهر فيها مسار مختلف.
مساحات لا تُحتمل فيها التعددية فحسب، بل يتم التعامل معها وتطويرها. مساحات لا يكون فيها التعايش شعارًا بل تجربة معيشة، مشيرا الى ان إقليم كردستان يمثل نموذجا لهذه المساحات.
وقال شاويس ان إقليم كردستان يمثل نموذجا مثاليا للتعايش، حيث ينعكس فيه التنوع الاثني والديني بشكل متزايد في الحكم وتعمه المؤسسات ويدمج ضمن رؤية أوسع للمواطنة المشتركة، حيث التعايش ما بين المجتمعات الكردية والمسيحية والبهائية داخل الإقليم، والذي يتميز بالتسامح وحقوق المواطنة المتساوية والحريات المصانة.
لقد كان إقليم كردستان، عبر قرون، موطنًا لنسيج غني من الشعوب والهويات. يشكل الأكراد الأغلبية، لكن إلى جانبهم يعيش المسيحيون بمختلف طوائفهم، إضافة إلى مجتمعات دينية أصغر مثل البهائيين والإيزيديين والتركمان وغيرهم. هذا التنوع ليس جديدًا، بل متجذر في البنية التاريخية والثقافية للمنطقة.
على مدى أجيال، عاشت هذه المجتمعات جنبًا إلى جنب، تتشارك الأسواق والأحياء واللغات والتقاليد. في مدن مثل عينكاوة وسهل نينوى ودهوك، هذا التعايش الطويل خلق ذاكرة اجتماعية، فهمنا بان هذا التنوع ليس غريبا بل مألوف. وهذا مهم، لان المجتمعات التي تعتبر هذا التنوع جزءا من هويتها تكون أكثر قدرة على حمايته.
كردستان ملاذ آمن للنازحين
بعد عام 2003، وخاصة خلال تزايد العنف المتطرف في العراق، فرّ مئات الآلاف من المسيحيين وغيرهم من الأقليات إلى إقليم كردستان بحثًا عن الأمان. لم يتم وضعهم في مناطق معزولة، بل استُقبلوا داخل المدن والبلدات والمجتمعات، ولم يكن هذا الرد إنسانيًا فقط، بل عكس مبدأً اجتماعيًا أعمق: أن حماية المجتمعات الضعيفة مسؤولية مشتركة.
أعادت العائلات المسيحية بناء حياتها في أربيل ودهوك والسليمانية. أُعيد ترميم الكنائس وتوسيعها. استمرت المدارس في تدريس اللغة السريانية. وحُفظت التقاليد الثقافية. وبالنسبة للكثيرين، أصبح الإقليم ليس مجرد مكان أمان مؤقت، بل مكان استمرارية حيث يمكن للهوية أن تبقى وتتطور.
تمثيل الأقليات في البرلمان
وأشار شاويس في حديثه عن المشاركة السياسية والتمثيل في البرلمان بالنسبة للاقليات، مؤكدا ان أحدى نقاط قوة الإقليم تكمن في أن التعايش لا يُترك فقط للتفاعلات الاجتماعية ، بل يتم دعمه عبر الهياكل والتشكيلات السياسية.
في برلمان كردستان، تُضمن للمجتمعات المسيحية مقاعد مخصصة. هذه المقاعد لا تجعل صوتهم هامشيًا بل جزءًا أساسيًا من العملية التشريعية، وهذه نقطة جوهرية، فالتمثيل ليس رمزيًا فقط، بل يتيح للمجتمعات المشاركة في صياغة القوانين والسياسات والأولويات، ويخلق شعورًا بالانتماء والملكية داخل النظام السياسي.
ويشارك النواب المسيحيون بفعالية في النقاشات، ويدافعون عن مجتمعاتهم، ويساهمون في الحوار حول الحوكمة والتعليم والتنمية، وهو نموذج يثبت ان الادماج يعزز المؤسسات، فعندما تكون المجتمعات ممثلة، تصبح عملية اتخاذ القرار أكثر توازنا وشرعية.
حقوق المواطنة والمساواة
ومن جانب التسامح والتعايش هناك نقطة مهمة أخرى في هذا النموذج وهو حقوق المواطنة المتساوية، وهذا يعني ان الحقوق لا تعتمد على الهوية. أي ان كل فرد، كرديا كان أو مسيحيا أو بهائيا، فانه يتمتع بحقوق متساوية في الفرص والحماية المشتركة.
وفي إقليم كردستان هناك خطوات مهمة نحو هذا الهدف تمثلت بدعم التنوع الثقافي واللغوي وحرية في ممارسة العقائد الدينية وخطاب عام يقدّر التعددية.
طريق مشترك لجميع المكونات
وأشار شاويس في حديثه الى ان تجارب الاكراد والمسيحيين والبهائيين مختلفة، لكنها تتقاطع في نقاط مهمة، كل منها تعامل مع أسئلة الهوية والانتماء وكل منها ساهم في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وكلها تستفيد من نظام قائم على المساواة، حيث الترابط هنا ليس فقط في التحديات، بل في الفرص المشتركة.
دور القيادة والرؤية
وقال شاويس ان التقدم لا يحدث تلقائيا، بل يحتاج الى قيادة سياسية واجتماعية واخلاقية. وفي إقليم كردستان أدت القيادة دورا في تشكيل خطاب التعايش الذي يعد نموذجا يحتذى به منطقة تتسم بالانقسام، فالتنوع لايؤدي بالضرورة الى الانقسام والتمثيل يمكن ان يعزز النظام السياسي، وهذا درس مهم للمجتمع الدولي، حيث ان نجاح هذا النموذج لن يقتصر على كردستان، بل يمكن ان يسهم في استقرار المنطقة بأكملها.

