شفقنا العراق ــ تواجه خطط تطوير قطاع الطاقة في البلاد تحديات مركبة ترتبط بالمتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، مما يفرض ضغوطاً إضافية على الجدول الزمني للمشاريع الاستراتيجية الرامية إلى سد العجز في الشبكة الوطنية وتأمين احتياجات المواطنين، خاصة في مواسم الذروة التي تشهد ارتفاعاً قياسياً في معدلات الاستهلاك.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الجهات المعنية إلى إيجاد بدائل وحلول عاجلة لضمان استقرار التجهيز، بالتوازي مع العمل على تجاوز العقبات الفنية واللوجستية التي أدت إلى تأجيل بعض المشاريع الحيوية، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لآليات التنفيذ والاعتماد على الموارد الوطنية لتعزيز أمن الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تأجيل مشروع استيراد الغاز المسال
ويواجه قطاع الطاقة في العراق تطوراً لافتاً بعد تأجيل مشروع استيراد الغاز المسال، الذي كان يُعوَّل عليه كأحد أبرز الحلول لمعالجة العجز المزمن في الكهرباء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الإنتاج والطلب، وتزداد الضغوط على منظومة الطاقة مع دخول فترات الذروة الصيفية.
وأعلنت شركة إكسيليريت إنرجي الأميركية تأجيل بدء تشغيل منصة الغاز المسال في العراق من الربع الثالث لعام 2026 إلى عام 2027، مرجعة القرار إلى تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة وما رافقها من اضطرابات في سلاسل الإمداد وأعمال البنية التحتية.
كما تم تحويل إحدى وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة إلى الأردن بشكل مؤقت ضمن ترتيبات تشغيلية انتقالية.
وينعكس هذا التأجيل بشكل مباشر على خطط الحكومة العراقية، إذ كان المشروع يهدف إلى تزويد محطات الكهرباء بنحو 500 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً، وهو ما كان من شأنه إضافة ما بين 3 إلى 4 آلاف ميغاوات إلى الشبكة الوطنية، بما يمثل فارقاً مهماً في تقليص العجز خلال موسم الصيف.
وفي هذا السياق، أوضحت وزارة الكهرباء أن قرار تأجيل تشغيل منصة الغاز المسال يعود إلى إغلاق مضيق هرمز، مشيرة إلى أن المشروع يتطلب مساراً بحرياً آمناً لنقل الشحنات من كوريا الجنوبية، إلى جانب تأمين متطلبات الرسو والأعمال المدنية للمحطة.
وتتزامن هذه التحديات مع تحذيرات من احتمال استمرار الاضطرابات الإقليمية، ما قد يطيل أمد أزمة الطاقة، خصوصاً مع تعطل مسارات التصدير عبر الخليج وتأثير ذلك على أسواق الطاقة العالمية من حيث ارتفاع كلف النقل وتراجع استقرار الإمدادات.
من جانبه، حذّر الباحث في شؤون الطاقة كوفند شيرواني من تفاقم أزمة الكهرباء في العراق، مؤكداً أن الفجوة بين الإنتاج والطلب تتسع بشكل كبير، ما يضع البلاد أمام تحديات متزايدة في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
إنتاج الكهرباء في العراق
وأوضح شيرواني أن إنتاج الكهرباء في العراق لا يتجاوز 28 ألف ميغاوات في أفضل الظروف، في حين يتراوح الطلب بين 50 و55 ألف ميغاوات، ما يعني وجود عجز يتجاوز 22 ألف ميغاوات، مع احتمال ازدياد هذا العجز مع تراجع إمدادات الغاز المستورد.
وكانت بغداد قد وقّعت في تشرين الأول 2025 عقداً مع شركة إكسيليريت إنرجي الأميركية لتطوير أول محطة عائمة لاستيراد الغاز المسال في العراق، بعقد يمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد، مع إمكانية رفع الإمدادات مستقبلاً إلى 750 مليون قدم مكعب يومياً وفق احتياجات وزارة الكهرباء.
ويتضمن المشروع تشغيل وحدة عائمة لاستقبال شحنات الغاز المسال بسعات تتراوح بين 125 ألفاً و170 ألف متر مكعب للشحنة الواحدة، وبقدرة إعادة تغويز تصل إلى 500 مليون قدم مكعب يومياً، إضافة إلى خدمات التشغيل والدعم الفني والتدريب للملاكات العراقية.
وأضاف شيرواني أن توقف أو انخفاض واردات الغاز من إيران سيؤدي إلى خسارة إضافية تقدر بنحو 3 إلى 4 آلاف ميغاوات، ما سيزيد من الضغط على المنظومة الكهربائية، خصوصاً خلال فترات الذروة الصيفية.
وتعتمد منظومة الكهرباء في العراق على الغاز الإيراني لتأمين أكثر من 30% من إنتاجها، في ظل فجوة مزمنة بين الإنتاج والطلب، إذ توفر إيران ما بين ثلث و40% من احتياجات البلاد من الغاز والطاقة، بحسب وزارة الكهرباء.
وكانت إمدادات الغاز الإيراني قد توقفت بالكامل في 18 مارس، ما أدى إلى فقدان أكثر من 3000 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، قبل أن تُستأنف جزئياً في 21 مارس بواقع 5 ملايين متر مكعب يومياً، وفق بيانات رسمية.
احتياطيات الغاز العراقي
وفي سياق متصل، أشار شيرواني إلى أن العراق يمتلك احتياطات غاز ضخمة تُقدّر بنحو 130 تريليون قدم مكعب، إلا أن نسبة استثمار الغاز لا تزال دون 70%، رغم خطط وزارة النفط للوصول إلى الاستغلال الكامل للغاز المصاحب بحلول عام 2028 عبر تقليل الحرق في الحقول النفطية.
ولفت إلى أن أزمة الكهرباء تتفاقم أيضاً نتيجة تراجع أو توقف بعض مسارات تصدير النفط عبر موانئ البصرة والخليج، ما انعكس على إنتاج النفط الخام الذي تراجع إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً بعد أن كان يصل إلى 4.2 مليون برميل، ما أدى إلى انخفاض إنتاج الغاز المصاحب المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى خسائر مالية وإشكالات فنية في الحقول.
تضخم أزمة الغاز والكهرباء
كما بيّن أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تضخم أزمة الغاز والكهرباء، في ظل محدودية القدرة على زيادة الاستثمار في الغاز المصاحب مع تقليص إنتاج النفط.
كما تطرق إلى تداعيات إقليمية أوسع، موضحاً أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في اضطرابات كبيرة بأسواق الطاقة العالمية، مع توقف جزء كبير من صادرات النفط والغاز من دول الخليج، ما انعكس على الأسعار وتكاليف النقل وأثر على نحو 11% من التجارة العالمية التي تمر عبر المنطقة.
وتخطط الحكومة العراقية لربط منصة الغاز المسال بخطوط أنابيب تمتد من خور الزبير إلى محطة كهرباء بسماية، بما يضمن توفير إمدادات مستقرة لمحطات التوليد وتأمين نحو 2000 ميغاوات إضافية للشبكة الكهربائية.
وتعد شركة إكسيليريت إنرجي الأميركية من أبرز الشركات العالمية المتخصصة في وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة، إذ تدير أكثر من 10 وحدات حول العالم، ولديها خبرة في تنفيذ مشاريع استيراد الغاز المسال خلال فترات زمنية قصيرة تتراوح بين 6 و12 شهراً من تاريخ التعاقد.

