شفقنا العراق-تصاعدت التحذيرات بشأن واقع التعليم الأهلي في العراق بعد الكشف عن قبول أعداد من الطلبة تفوق السعات الاستيعابية المقررة بنسب وصلت إلى 220 بالمئة في بعض الكليات.
في وقتٍ يفترض أن تكون فيه الجامعات حاضنة للمعرفة الرصينة وبوابة لبناء الكفاءات، تتصاعد إشارات مقلقة حول واقع التعليم الأهلي في العراق، بعد الكشف عن تجاوزات كبيرة في أعداد الطلبة المقبولين، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من ضعف الطاقة الاستيعابية المقررة.
القضية برزت إلى الواجهة مع تصريحات النائب حيدر المطيري، الذي كشف عن وجود تجاوزات حادة في أعداد الطلبة المقبولين في بعض الجامعات والكليات أهلية، حيث تخطت الأعداد الفعلية السعات الاستيعابية المحددة بنسب وصلت في أقصاها إلى 220 بالمئة.
وأشار المطيري إلى أن هذا التوسع غير المدروس يأتي خلافاً للمعايير والضوابط التي نصت عليها تعليمات جهاز الإشراف والتقويم العلمي، التي حددت سقفاً لا يتجاوز 8000 طالب للجامعة و4000 طالب للكلية.
وبحسب البيانات التي نشرها النائب، سجلت إحدى الكليات في الدراسة الصباحية زيادة بلغت 220 بالمئة، حيث استقبلت 12825 طالباً بدلاً من السعة المعيارية المحددة بـ 4000 طالب.
وسجلت تجاوزات أخرى بلغت 178 بالمئة و173 بالمئة و149 بالمئة في كليات مختلفة، مما أدى إلى قبول آلاف الطلاب فوق الطاقة الاستيعابية المقررة.
وعد النائب هذه السعات “المبالغ بها” سبباً مباشراً في تراجع الكفاءة التعليمية، كما أنها تظلم أصحاب المعدلات العالية عبر مساواة الفرص في بيئة تعليمية مكتظة تفوق قدرة المؤسسة على الاستيعاب النوعي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن آليات الرقابة والتطبيق.
اكتظاظٌ يتجاوز الحدود
داخل الحرم الجامعي، لم يعد الاكتظاظ مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى واقع يومي يعيشه الطلبة، قاعات دراسية مكتظة، ومختبرات لا تتسع للأعداد، وكادر تدريسي يواجه ضغطاً متزايداً، كلها عوامل تُلقي بظلالها على جودة العملية التعليمية.
يقول أحد الطلبة، فضل عدم ذكر اسمه: “في بعض المحاضرات نقف لعدم وجود مقاعد، وهذا يؤثر على تركيزنا واستيعابنا للمادة”.
من جانبها تشير عذراء كريم، طالبة في كلية الطب الى أن الاكتظاظ داخل القاعات الدراسية والمختبرات يمثل تحدياً حقيقياً، خاصة في التخصصات التي تحتاج إلى تطبيق عملي، لافتة إلى أن هذا الوضع ينعكس مباشرة على مستوى التدريب الذي نتلقاه، ويثير القلق بشأن جاهزيتنا المهنية مستقبلاً.
ودعت إلى تفعيل الرقابة الصارمة على أعداد الطلبة، وفرض عقوبات رادعة على المؤسسات المخالفة، إلى جانب اعتماد أنظمة إلكترونية دقيقة لضبط القبول، وربط أعداد الطلبة بالإمكانات الفعلية لكل مؤسسة.
تحذيرات
وفي هذا الإطار، حذر رئيس تجمع الكفاءات والنخب الفيلية وأستاذ في جامعة الفرات الأوسط التقنية، الدكتور طالب ولي كمر خان من الآثار السلبية الكبيرة للزيادة المتصاعدة في أعداد الطلبة داخل الجامعات، مؤكداً أن هذه الظاهرة باتت تؤثر بشكل مباشر في جودة العملية التعليمية ومستوى التحصيل العلمي.
وأوضح كمر خان، أن الاكتظاظ داخل القاعات الدراسية يؤدي إلى انخفاض مستوى المتابعة الفردية للطلبة من قبل التدريسيين.
كما أشار إلى أن الأعداد الكبيرة تحول دون إتاحة الفرصة لجميع الطلبة للمشاركة الفاعلة أثناء المحاضرات، وأضاف أن هذا الوضع يفرض ضغطاً كبيراً على القاعات الدراسية والمختبرات، ما ينعكس سلباً على جودة التدريس، خاصة عندما يتجاوز عدد الطلبة في الشعبة الواحدة ستين أو سبعين طالباً.
وبيّن أن ازدحام القاعات يضعف تركيز الطلبة، فضلاً عن وجود صعوبات في إيصال صوت المحاضر إلى جميع الحاضرين، خاصة في الصفوف الخلفية، ما يؤدي إلى ضعف استيعاب المادة العلمية، واستشهد بتجربة ميدانية من كلية الطب في جامعة بغداد، حيث أشار إلى أن الطلبة في المقاعد الخلفية يعانون من الضوضاء وبعد الصوت، الأمر الذي يحول دون فهمهم الكامل للمحاضرات.
وأكد أن هذه الظروف تسهم في تراجع مستوى التحصيل العلمي وارتفاع نسب الغياب بين الطلبة، نتيجة صعوبة السيطرة والمتابعة الدقيقة للأعداد الكبيرة، فضلاً عن ضعف الإشراف العلمي وتقليل ساعات التدريب العملي، وهو ما يؤثر في النهاية على جودة مخرجات التعليم.
وأشار كمر خان إلى أن من أبرز أسباب هذه الظاهرة، خاصة في الجامعات الأهلية، هو الدافع المالي، حيث تسعى بعض المؤسسات إلى زيادة أعداد الطلبة بهدف رفع الإيرادات، دون مراعاة كافية لمعايير جودة التعليم.قبولٌ عشوائي
وفي السياق ذاته، انتقد الأكاديمي الدكتور ستار البياتي واقع الجامعات والكليات الأهلية، مؤكداً وجود ملاحظات عدة على آلية القبول ومستوى الأداء التعليمي فيها، فيما دعا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى إعادة النظر بسياسات القبول وضبط المعايير الأكاديمية.
وقال البياتي، إن قبول الطلبة بشكل عشوائي يمثل مشكلة كبيرة، لأن سهولة القبول تنعكس لاحقاً على سهولة التخرج.
وأضاف أن بعض الجامعات الأهلية باتت تتعامل مع التعليم بوصفه مشروعاً استثمارياً، أكثر من كونه رسالة علمية.
ثم لفت إلى أنه التقى أحد العمداء الذي أقرّ بأن “الاهتمام يتركز على الجانب الاستثماري لا العلمي”، ما يؤثر سلباً في جودة التعليم ودوره في تطوير المجتمع اقتصادياً واجتماعياً.

