شفقنا العراق-حوادث الدهس في العراق تبرز أزمة مركبة تتجاوز البعد المروري إلى إشكالية أخلاقية وإنسانية، إذ تشير روايات إلى تأخر إسعاف المصابين بسبب الخشية من المسؤولية القانونية أو التبعات العشائرية.
يتريث حازم محمد (44 عاماً) لبرهة قصيرة، قبل أن يثبت نظره على مشهدٍ ارتبك له قلبه قبل عينيه، فصبيٌّ صغير سقط أمامه على الإسفلت بعد انزلاقه من على دراجته النارية، بينما واصلت العجلة التي صدمت دراجته طريقها مبتعدة عن المكان، كأنها تهرب من الصدمة ذاتها.
في تلك اللحظة، لم يكن الضجيج في الشارع هو الأعلى، بل صوت داخلي في رأس حازم يزداد إلحاحاً: “توقف، احمله، قد تكون ثوانٍ فاصلة بين الحياة والموت”، إلا أن قدميه بقيتا ثقيلتين، وكأن المشهد بأكمله تمدد ليصبح أطول من زمنه الحقيقي.
وبين الرغبة في التدخل والخوف من “التايهات” كما وصفها حازم، التي قد تجرّه الى تبعات عشائرية أو اتهامات محتملة بالمسؤولية، وجد حازم نفسه أسيراً لمعادلة قاسية، فالمساعدة قد تتحول إلى عبء قانوني وعشائري، والامتناع عنها عبء إنساني لا يفارقه، مضى في طريقه ببطء، يحدّق أمامه بصمت ثقيل، ويتمتم بمرارة: “أضاعوا سبيل المعروف”.
وبين غياب التشريع الواضح وضعف الوعي المجتمعي، تبرز تساؤلات جدية حول المسؤولية المشتركة في حماية الأرواح، وإمكانية بناء بيئة قانونية واجتماعية تضمن للمواطن حق المبادرة دون أن يتحول إلى متهم محتمل.
مبادرةٌ إنسانيَّةٌ آمنة
ويبرز مقترح قانون حماية المسعف والمنقذ التطوعي الذي تعمل عليه لجنة الصحة ومكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، كخطوة تشريعية يُعوَّل عليها لمعالجة واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في الشارع العراقي.
وتشير القراءة الأولى لمشروع القانون إلى توجه نحو ترسيخ مفهوم “حماية المنقذ”، بما يضمن عدم مساءلة من يقدم المساعدة بحسن نية في الحوادث الطارئة، وهو ما يُنظر إليه كخطوة قد تسهم في تقليل خسائر الأرواح الناتجة عن التأخر في الإسعاف الأولي.
وفي ظل هذا الطرح التشريعي، يتجدد النقاش حول دور القانون في إعادة بناء الثقة بين المواطن والشارع العام، وتحويل لحظة الحادث من مساحة خوف وتردد إلى مساحة مبادرة إنسانية آمنة، لا يتحول فيها المنقذ إلى متهم، بل إلى عنصر فاعل في إنقاذ الحياة.
ويقدّم الخبير القانوني الدكتور عباس العقابي قراءة تفصيلية لأحكام قانون المرور رقم (9) لسنة 2019، موضحاً أن “الإطار التشريعي الحالي تضمن بالفعل معالجات لمسألة الحوادث التي تنجم عنها إصابات أو وفيات، لكنه ما يزال بحاجة إلى تطوير في ما يتعلق بحماية (المسعف المدني)”.
ويبيّن العقابي، أن “القانون عالج حالات الدهس التي تؤدي إلى عاهة مستديمة نتيجة الرعونة في القيادة بعقوبات سالبة للحرية، فيما شدد العقوبات في المادة (36) الخاصة بالحوادث التي تؤدي إلى الوفاة، إذ تصل إلى السجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات مع الغرامة، وقد ترتفع العقوبة في حال تعدد الضحايا أو مخالفة التعليمات المرورية بشكل واضح”.
ويضيف أن “القانون أجاز في بعض الحالات سقوط العقوبة في حال الصلح والتراضي، إلا أن الحوادث المرورية غير المتعمدة تبقى مختلفة عن جرائم القتل العمد، ولا تسقط تلقائياً بمجرد التنازل في جميع الحالات، ما يجعل الإطار القانوني أكثر تعقيداً من مجرد تسويات شخصية”.
الحماية القانونيَّة الكاملة
وفي ما يتعلق بالتدخل الإنساني، يشير العقابي إلى أن “تقديم المساعدة للمجنى عليه لا يؤدي إلى إسقاط الحكم، بل قد يسهم في تخفيف العقوبة، في حين أن الامتناع عن تقديم العون يمكن أن يُعد سبباً لتشديدها استناداً إلى المادة (37) من القانون، التي تتناول واجب المساعدة في الحوادث المرورية”.
ويؤكد أن “المبادرة إلى إنقاذ المصاب تُعد عاملاً إيجابياً في تقدير المحكمة، وقد تنعكس بشكل مباشر على تخفيف الحكم الصادر بحق المتسبب بالحادث، ما يكشف وجود مساحة قانونية داعمة للفعل الإنساني في النص الحالي”.
ورغم ذلك، يشدد العقابي على أن “الإشكالية لا تكمن في سائق المركبة بقدر ما تتعلق بالمواطن العادي الذي يتردد في التدخل”، داعياً إلى “ضرورة تشريع قانون خاص بحماية المسعف والمنقذ من المواطنين العاديين، يضمن لهم الحماية القانونية الكاملة عند تقديم المساعدة دون خشية من الملاحقة أو تحميل المسؤولية”.
ويلفت إلى أن “السائق مشمول أصلاً بأحكام المادة (37) التي تتناول واجب الإنقاذ أو عدمه”، منوها بأن “تعزيز ثقافة التدخل الإنساني في الحوادث المرورية يتطلب مزيجاً من التوعية المجتمعية والتشريعات الداعمة، بما يضمن ألا يتحول الخوف من المسؤولية إلى عامل يفاقم خسائر الأرواح على الطرق”.
التدخل بدافع الغيرة
بدوره يوضح مدير شعبة الإعلام في مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر حقيقة الإجراءات المتّبعة في حوادث الدهس، مؤكداً أن “هذه الحوادث تُعدّ قضائية وجنائية، وتتم إحالة سائق المركبة مباشرة إلى مراكز الشرطة لعرضه على القضاء العراقي وفق أحكام قانون المرور”.
وقال شاكر، إن “مسألة توثيق تدخل المواطنين في الحوادث لحمايتهم قانونياً تُحسم حصراً من قبل مراكز الشرطة والسلطة القضائية”، مضيفاً أن “القضاء هو الفيصل في تحديد المسؤوليات”.
ويشير شاكر: “من الأعراف العراقية المتجذّرة عند وقوع أي حادث دهس هو الإسراع بنقل المصاب إلى أقرب مستشفى، لأن بعض الإصابات قد تكون بسيطة ويمكن علاجها فوراً، ما يسهم في إنقاذ حياة المصاب”.
ويبيّن العقيد شاكر أن “جهاز المرور لا يتدخل في البروتوكولات أو الخلافات العشائرية التي قد ترافق بعض الحوادث”، موضحاً أنه “لا أخطاء في هذا الجانب، فالدافع الأبرز لتدخل المواطنين هو الغيرة والشهامة العراقية التي تدفعهم لإسعاف المدهوس وإنقاذ حياته بأسرع وقت ممكن”.
تحصين
فيما يؤكد الشيخ حيدر حسن فالح المصلوخي ضرورة توفير حماية قانونية واضحة للمسعفين، مشيرًا إلى أن “الكثير منهم يواجهون مساءلات قد تعيق تدخلهم في إنقاذ الأرواح”.
ويوضح المصلوخي أن “المسعف بحاجة إلى نوع من الحصانة التي تحميه من الاتهامات أو المساءلات، خصوصًا في الحالات التي لا تتوفر فيها شهود”، داعيًا إلى “ضرورة الاستفادة من كاميرات المراقبة في موقع الحادث لتوثيق الإجراءات وإثبات حسن النية”.
ويضيف أن “على المسعف أن يقوم بتوثيق عملية الإنقاذ عبر التصوير الشخصي، أو من خلال شخص مرافق له”، لافتاً الى أنه “يجب أن يوضح بالصوت والصورة أنه يقدم المساعدة لإنقاذ حياة مصاب، دون تعريضه لمخاطر إضافية”.
“المتشيخون”
ويتوقف المصلوخي عند ظاهرة من وصفهم بـ”المتشيخين” الذين يستغلون مثل هذه الحوادث لفرض أعراف أو مطالبات غير منصفة، مؤكداً أن “الشيوخ الحقيقيين يقدّرون مهمة المسعف ويدعمون دوره الإنساني، لكن بعضا ممن ينتحلون صفة المشيخة يعتاشون على هذه المواقف”.
ويشدد على أن “المجتمع العشائري مطالب بتسهيل مهمة المسعفين وعدم التضييق عليهم”، محذرًا من أن “غياب الدعم وتزايد المخاوف من المساءلات سيؤديان إلى عزوف الناس عن التدخل في حالات الطوارئ، ما يعني عمليًا قطع سبيل المعروف ومنع إنقاذ الأرواح”.

