شفقنا العراق-رغم ما تضمنه المنهاج الحكومي لعلي الزيدي من تعهدات واسعة في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد والخدمات، إلا أن خبراء وسياسيين يشيرون إلى أن الحكومات العراقية غالباً ما تصطدم بعوائق التنفيذ أكثر من نقص الخطط.
تواجه الحكومة المقبلة برئاسة المكلف علي الزيدي تحديات معقدة تتعلق بقدرتها على تحويل البرنامج الحكومي إلى إجراءات تنفيذية على أرض الواقع، في ظل بيئة سياسية واقتصادية وأمنية مثقلة بالضغوط والتوازنات الداخلية والخارجية.
وفيما يؤكد مراقبون، أن البرامج الحكومية في العراق غالباً ما تصطدم بضعف الإمكانات المالية، وتفاقم أزمات البنى التحتية والخدمات، إلى جانب استمرار ملفات الفساد والسلاح خارج سيطرة الدولة بشكل كامل، يشيرون إلى أن موقع رئاسة الوزراء يبقى محكوماً بتوازنات القوى السياسية والضغوط الإقليمية والدولية، ما يحدّ من مساحة القرار التنفيذي ويجعل التنفيذ الفعلي للمنهاج الحكومي أكثر تعقيداً.
تحدي التطبيق
ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، إن “الإشكالية الأساسية في العراق لا تتعلق بالبرامج الحكومية، بل بقدرة الحكومات على تنفيذها عملياً، فرئيس الوزراء قد يمتلك رغبة حقيقية بالانتقال إلى مرحلة جديدة، إلا أن الظروف الموضوعية التي يمر بها العراق غالباً ما تعرقل تطبيق كثير من فقرات منهاجه”.
ويشير إلى أن “عدداً من الملفات الأساسية يحتاج إلى إمكانات مالية كبيرة، وفي مقدمتها مثلاً قطاع التعليم”، لافتاً إلى أن “العراق، على سبيل المثال، يحتاج إلى ما بين 8 آلاف و12 ألف مدرسة لمعالجة أزمة الاكتظاظ وفك الاختناقات داخل القطاع التربوي”.
الموارد المالية
ويضيف الفيلي، أن “القطاع الصحي بدوره، ما يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ تعاني محافظات عديدة من نقص واضح في الخدمات الصحية، سواء على مستوى المؤسسات المدنية أو حتى المؤسسات العسكرية”، موضحاً أن “دولاً مجاورة للعراق تمتلك منظومات متطورة كمستشفيات القوات المسلحة، في وقت ما تزال فيه البنية الصحية العراقية تعاني من فجوات كبيرة”.
ويبين، أن “ضعف الموارد المالية يشكل بدوره تحدياً أساسياً أمام أي حكومة مقبلة، والواقع الاقتصادي الحالي يفرض ضغوطاً كبيرة على قدرة الحكومة في تنفيذ التزاماتها ومشاريعها الخدمية”.
الفساد والرواتب
ويتابع أستاذ العلوم السياسية، أن “ملف الفساد يمثل أحد أخطر التحديات، باعتباره منظومة متكاملة ومتداخلة تحظى أحياناً بغطاء أو حماية من قوى مشاركة في العملية السياسية”، معتبراً أن “هذا الواقع يعقّد أي محاولة للإصلاح أو التغيير”.
ويحذر من أن “الحكومة قد تواجه مفاجآت خطيرة تتعلق بقدرتها على تأمين الرواتب مستقبلاً، وهي قضية حساسة تمس الاستقرار الداخلي بشكل مباشر”.
برامج مكررة
بدوره، يرى مدير المركز العربي الأسترالي للدراسات أحمد الياسري، أن “البرامج الحكومية في العراق غالباً ما تعيد إنتاج نفسها، كما يتكرر نمط رؤساء الوزراء، بسبب طبيعة موقع رئاسة الوزراء الذي ما يزال غير محرر بالكامل من تأثيرات القوى السياسية الداخلية والخارجية”.
ويضيف، أن “رئيس الوزراء، مهما طرح من برامج أو سقوف طموحة، يبقى محكوماً بحركة التوازنات السياسية، ما يحدّ من قدرته على تنفيذ رؤيته بشكل مستقل”، مبيناً أن “الضغوط لا تأتي من الداخل فقط، بل من أطراف متعددة، بينها الولايات المتحدة وإيران والدول العربية، فضلاً عن الأحزاب والمكونات السياسية العراقية، وكل جهة لديها أجندتها ومتطلباتها الخاصة”.
رئيس إدارة
ويشير الياسري إلى أن “هذا الواقع يجعل موقع رئيس الوزراء أقرب إلى إدارة توازنات وأزمات أكثر من كونه موقعاً تنفيذياً يمتلك حرية القرار”، لافتاً إلى أن “الكتلة السياسية الأكبر هي التي تتحكم فعلياً بمسار السلطة، فيما يتحول رئيس الوزراء إلى ما يشبه رئيس مجلس إدارة للأزمة، لا قائداً يمتلك صلاحيات كاملة لتطبيق برنامجه الحكومي”.
ويتابع، أن “الحكومات التي تعمل في بيئة أزمات متراكمة يصعب عليها تحقيق برامجها، خصوصاً في ظل غياب الحصانة المالية وعدم استقرار الأوضاع الإقليمية والاقتصادية”، موضحاً أن “حتى الدول الاستثمارية الكبرى في المنطقة باتت تواجه تراجعاً في بيئتها الاقتصادية، ما ينعكس على فرص العراق في جذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع الكبرى”.

