شفقنا العراق-تتزايد الدعوات لمعالجة أزمة الثروة الحيوانية في العراق عبر حماية الحصص المائية، ودعم الأعلاف، وتفعيل الرقابة البيطرية، والحد من التهريب والذبح الجائر.
تراجعت الثروة الحيوانية في العراق إلى نحو ربع حجمها السابق، فيما اضطرّ نحو 50% من المربّين إلى ترك الريف والهجرة إلى المدن، حسب رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في النجف محسن هدهود، الذي يُرجِع الأزمة إلى تشابك عوامل الجفاف وشحّ المياه وارتفاع كلف الأعلاف وتراجع الخدمات البيطرية وغياب الدعم الحكومي، وسط تحذيرات من تنامي الاعتماد على الاستيراد وتعمّق الفقر والبطالة في الأرياف.
ويُواجه القطاع واحدة من أكثر مراحله تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد التداعيات مقتصرة على انخفاض أعداد الحيوانات، بل امتدّت لتطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للريف، حيث باتت الهجرة من القرى إلى المدن خياراً اضطرارياً لكثير من الأسر التي كانت تعتمد على تربية المواشي مصدرَ دخلٍ رئيسٍ.
تراجعٌ حادٌّ في حجم القطيع
يقول رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في النجف محسن هدهود إن الثروة الحيوانية شهدت تراجعاً كبيراً، وإن ما تبقّى منها لا يتجاوز ربع ما كانت عليه سابقاً، مشيراً إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بعامل واحد، بل هي نتاج تراكمات متداخلة أضعفت قدرة المربّين على الاستمرار.
ويُضيف هدهود أن نحو 50% من المربّين اضطرّوا إلى الهجرة من الريف إلى المدينة، تاركين أراضيهم من دون استغلال، نتيجة تراجع الجدوى الاقتصادية لتربية الحيوانات وتزايد الضغوط المعيشية.
ويُحدّد أبرز أسباب الأزمة بالجفاف والشحّة المائية، والتجاوز على الحصص المائية من قِبل متنفّذين، وغلاء الأعلاف، وانعدام الدعم الحكومي، إلى جانب تراجع زراعة المحاصيل بسبب شحّ المياه، وهو ما أدى إلى قلّة المخلّفات الزراعية التي تُعدّ مصدراً مهماً للأعلاف.
ويُشير إلى أن القطاع يُواجه أيضاً انتشارَ الأمراض، وتدهور الخدمات البيطرية، والذبح الجائر، وعمليات التهريب، ودخول المنتجات المستوردة من لحوم العجول والأغنام إلى جانب البيض والدواجن، فضلاً عن قلّة المراعي في الأراضي الصحراوية نتيجة سيطرة بعض المتنفّذين عليها.
أزمةٌ تتجاوزُ الإنتاجَ إلى الأمنِ الغذائيِّ
من جهته، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد أن التراجع الواضح في الثروة الحيوانية يعود إلى ارتفاع كلفة الأعلاف، وضعف الدعم الحكومي، وانتشار بعض الأمراض، وما شهده العراق من جفاف في السنوات الماضية.
ويقول عيد إن هذا التراجع يُمثّل مشكلة اقتصادية حقيقية، لأن القطاع مرتبط بالأمن الغذائي ويُوفّرُ مصدرَ دخلٍ لعدد كبير من العائلات.
كما يُحذّر من أن استمرار الوضع على هذا النحو سيزيد الاعتماد على استيراد اللحوم ومنتجات الألبان، وهو ما يفرض ضغطاً إضافياً على العملة الصعبة ويرفع الأسعار في السوق المحلية، مضيفاً أن ضعف القطاع قد يُسهم في زيادة معدّلات الفقر والبطالة في الريف.
ويرى عيد أن معالجة هذا الملف باتت ضرورةً اقتصاديةً واجتماعيةً، من طريق دعم المربّين، وتقليل كلفة الإنتاج، وتحسين الخدمات البيطرية، بما يحافظ على الإنتاج المحلي ويحدّ من التوسّع في الاستيراد.
تراجعُ المهنةِ وتحوُّلُ أنماطِ الحياةِ في الريف
لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل تمتدّ إلى التحوّلات الاجتماعية داخل الريف العراقي؛ فمع تراجع القدرة على الاستمرار في تربية الحيوانات، بدأت مهنة توارثتها أجيال عديدة تفقد حضورها تدريجياً، كما تتزايد الهجرة نحو المدن بحثاً عن مصادر دخل بديلة.
ويُهدّد هذا التحوّل بإفراغ الريف من أحد أهم أنشطته الإنتاجية، ويُضعف العلاقة بين الأرض والسكان المحليين، خصوصاً في المناطق التي كانت تعتمد تاريخياً على تربية الجاموس والأبقار والأغنام بوصفها جزءاً من الاقتصاد المحلي ودورة الحياة اليومية.
تحدّيات مركّبة تستدعي تدخّلاً عاجلاً
تُظهر المعطيات أن أزمة الثروة الحيوانية في العراق ليست أزمة موسمية أو ظرفية، بل نتيجة خلل بنيوي يتّصل بإدارة الموارد المائية، والسياسات الزراعية، وآليات حماية المنتج المحلي.
ويرى مختصّون أن المعالجة الفاعلة تبدأ من حماية الحصص المائية، وتوفير الأعلاف بأسعار مدعومة، وتفعيل الرقابة البيطرية، والحدّ من التهريب والذبح الجائر، إلى جانب تنظيم الاستيراد بما يمنع الإضرار بالإنتاج المحلي، فيما تُمثّل استعادة المراعي وحماية الأراضي الصحراوية من التجاوزات جزءاً أساسياً من أيّ خطة إنقاذ حقيقية.
وتكشف الأزمة عن تحدٍّ يتجاوز حدود القطاع الزراعي ليطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الريف. وبين الأرقام الدالّة على تقلّص القطيع والقصص الإنسانية التي تُجسّدها معاناة المربّين، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدخّل حكومي عاجل يُعيد بناء مقوّمات القطاع ويحفظ ما تبقّى منه، إذ لا يعني استمرار التراجع فقدانَ مصدرِ دخلٍ لآلاف العائلات فحسب، بل اتّساعَ الفجوةِ بين الإنتاج المحلي وحاجات السوق، وتعميقَ هشاشةِ الريفِ العراقيِّ في مواجهة الأزمات المقبلة.

