شفقنا العراق-تشهد البلاد حراكاً سياسياً مكثفاً مع اقتراب موعد إعلان التشكيلة الحكومية، في وقت تصف فيه الكتل النيابية الكابينة المرتقبة بأنها “اختبار حقيقي” لمشروع الإصلاح.
تتواصل الحوارات السياسية في البلاد لحسم ملف تشكيل الحكومة المقبلة، وسط تأكيدات متزايدة من القوى النيابية على أن الكابينة الوزارية تمثل معياراً حقيقياً لنجاح مشروع الإصلاح ومدى الاستجابة لمطالب المواطنين
وبين الدعوات إلى الابتعاد عن المحاصصة واعتماد الكفاءة والنزاهة، تبرز في المقابل تعقيدات الاستحقاقات الانتخابية وتوازنات القوى ما يجعل ولادة التشكيلة الحكومية مرهونة بتوافقات دقيقة بين مختلف الأطراف في وقت تتصاعد فيه التوقعات بإمكانية حسم هذا الملف خلال الأيام القليلة المقبلة.
اختبار حقيقي
وقال النائب عن كتلة “بدر” النيابية صفاء الحسيني: إن “ملف تشكيل الحكومة والكابينة الوزارية يمثل اختباراً حقيقياً لجدية الإصلاح والاستجابة لمطالب المواطنين”، مؤكداً أن “هذه المسؤولية الوطنية تتطلب الابتعاد عن المحاصصة والذهاب نحو اختيار شخصيات كفوءة ونزيهة وقادرة على تنفيذ البرنامج الحكومي”.
وأضاف، أن “المرحلة الحالية تفرض تسريع خطوات تشكيل حكومة متجانسة تمتلك رؤية واضحة وبرنامجاً عملياً يركز على تحسين الخدمات وتحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز هيبة الدولة”.
ثم أشار الحسيني، إلى أن “معيار النجاح لا يكمن في سرعة الإعلان عن الكابينة فقط بل في نوعية الاختيار ومدى انسجام الفريق الوزاري وقدرته على العمل بروح واحدة بعيداً عن تضارب المصالح والتجاذبات السياسية”، مشدداً على “أهمية اعتماد الشفافية في عرض أسماء المرشحين وسيرهم الذاتية أمام الرأي العام لضمان ثقة المواطنين وتعزيز مبدأ المساءلة”.
كما بيّن، أن “التشكيلة الوزارية لم تكتمل حتى الآن بشكل نهائي إذ لا تزال المباحثات جارية داخل المكونات الرئيسية”، لافتاً إلى “وجود مؤشرات انفراج وظهور ملامح لبعض الوزارات”.
نقاشات ومداولات
من جانبه، قال عضو ائتلاف “الإعمار والتنمية” عباس حيال، إن “ملف الكابينة الوزارية ما زال حتى الآن في طور النقاشات والمداولات بين القوى السياسية ولم يتم حسمه بشكل نهائي”، مبيناً أن “الحوارات الجارية تتركز على تقريب وجهات النظر بين الكتل بشأن توزيع الحقائب الوزارية واختيار الشخصيات المناسبة لشغلها”.
وأضاف، أن “هناك حرصاً على تقديم تشكيلة حكومية متوازنة وقادرة على تلبية تطلعات المواطنين بعيداً عن الخلافات السياسية”، مشيراً إلى أن “المرحلة الحالية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية والإسراع في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة”.
طور البناء
عضو تحالف “العزم” الدكتور صلاح الدليمي، قال، إن “الكابينة الوزارية لا تزال في طور البناء والإعداد”، مبيناً أنها “لم تحسم حتى الآن لا من حيث توزيع الوزارات وفق الاستحقاقات الانتخابية، ولا من حيث تسمية الوزراء بشكل نهائي”.
ثم أوضح الدليمي، أن “الحوارات السياسية مستمرة عبر تحركات مكثفة بين الأطراف المختلفة بهدف إنجاز التشكيلة الوزارية والوصول إلى صيغة توافقية ترضي جميع القوى”.
وأضاف، أن “استحقاق العرب السنة يتمثل بست وزارات”، مشيراً إلى أن “تحالف (العزم) ماضٍ في مطالبه باعتماد مبدأ احتساب النقاط في توزيع الحقائب الوزارية واعتبار رئاسة مجلس النواب ضمن هذا الاستحقاق”.
وبيّن، أن “تحالف (تقدم) حصل على رئاسة البرلمان التي تعادل 25 نقطة، ما يعني تبقي 8 نقاط له فقط ضمن الاستحقاقات الأخرى”.
كما لفت إلى أن “تحالف (العزم) يُعد ثاني أكبر التحالفات في الوسط السني، ما يمنحه استحقاقاً يتراوح بين وزارتين إلى ثلاث وزارات، من بينها وزارة سيادية فضلاً عن منصب نائب رئيس الوزراء”.
الملف الأمني
وبينما تتسارع الحوارات السياسية مع اقتراب موعد تقديم الكابينة الوزارية من قبل رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، طرحت جملة من المطالب النيابية تتعلق بالإصلاح الأمني والإداري وتضمينها ضمن البرنامج الحكومي للحكومة المقبلة.
وأوضح عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، النائب علي أنهير السراي، أن “أبرز المطالب التي يركز عليها مجلس النواب خلال الدورة الحالية تتمثل بإجراء إصلاح شامل للمنظومة الأمنية وتطوير الأداء العسكري والأمني، بما يعزز هيبة الدولة ويعيد مفهوم الردع والسيادة الوطنية”.
وأوضح السراي، أن “الملف الأمني يُعد من أكثر الملفات حساسية لارتباطه المباشر بأمن الدولة وكرامة المواطن”، مشدداً على “ضرورة إعادة تقييم القيادات الأمنية والعسكرية في مختلف الأجهزة والمؤسسات، واعتماد معايير مهنية قائمة على الكفاءة والولاء الوطني في شغل المناصب الأمنية، ضمن مدد زمنية محددة لا تتجاوز سنتين أو ثلاث سنوات”.
وأشار، إلى “أهمية تطوير الأداء الأمني بما ينسجم مع طبيعة الحروب الحديثة والمتغيرات الإقليمية والدولية، لاسيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية والتحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط”، مؤكداً “ضرورة وضع رؤية استراتيجية واضحة لمعالجة نقاط الضعف في مفاهيم القيادة والسيادة”.
ثم أضاف، أن “من بين المطالب المطروحة مراجعة العقيدة القتالية للجيش العراقي وتقييم مدى ملاءمتها للمتغيرات الحالية، إلى جانب إعادة النظر بالتخطيط الاستراتيجي والعقيدة العسكرية المعتمدة، فضلاً عن فتح الملفات المتعلقة بالتسليح والتجهيز والتحقيق في ما يُشاع عن بيع المناصب الأمنية”.
قيادة خاصة بالطائرات المسيّرة
وبيّن السراي، أن “هناك دعوات لإنشاء قيادة خاصة بالطائرات المسيّرة لمواكبة التطورات العسكرية الحديثة وتعزيز السيادة الوطنية، إضافة إلى إعادة إحياء الصناعات الحربية العراقية والاستفادة من إمكاناتها المحلية”.
كما تضمنت المطالب: “إلزام الحكومات المحلية بتوزيع قطع أراضٍ لمنتسبي القوات الأمنية خلال مدد زمنية محددة، والإسراع بحسم المشاريع المتلكئة التابعة لوزارة الدفاع، فضلاً عن فصل الصلاحيات الأمنية بين قيادات العمليات ووزارة الداخلية وفق مبدأ تسليم الملف الأمني”.
وأكد السراي أيضاً “ضرورة إيجاد حلول للضباط من ذوي الرتب العالية غير المكلفين بمهام حالياً، والاستفادة من خبراتهم وفق معايير الكفاءة والنزاهة، مع منع التداخل بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية المختلفة، ومنها المخابرات والأمن الوطني والاستخبارات العسكرية والداخلية”.
وكشف، عن “حملة تواقيع سيقوم بها عدد من أعضاء مجلس النواب عن مقترح لإضافة فقرة ضمن البرنامج الحكومي تتضمن تعهداً خطياً من الوزراء بعدم الترشح للانتخابات البرلمانية المقبلة، وكذلك منع ترشح أقاربهم من الدرجة الأولى، بهدف الحد من استغلال النفوذ الحكومي في الدعاية الانتخابية، على أن يشمل القرار أصحاب الدرجات الخاصة ووكلاء الوزارات”.
وأشار النواب في مطالبهم إلى أن “المرحلة المقبلة ستشهد تحركات لتعديل قانون الانتخابات وتضمين هذه الفقرة بشكل رسمي ضمن القانون”.
توافقات سياسية
من جانبه، قال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، النائب أحمد كاين الخزعلي: إن “ملامح الحكومة بدأت تتبلور بشكل واضح”، متوقعاً التصويت على الكابينة الوزارية يوم الاثنين المقبل، مؤكداً أن “رئيس الوزراء المكلف حصل على مساحة واسعة في اختيار الوزراء” ضمن توافقات سياسية وصفها بـ”العالية”.
وأوضح الخزعلي، أن “تحركات الزيدي الأخيرة وزياراته إلى أربيل والسليمانية أسهمت في تحقيق تفاهمات إيجابية مع القوى الكردية، ما انعكس على سير المفاوضات الخاصة بالمناصب الوزارية والدرجات الخاصة”.
وأضاف، أن “الكابينة الوزارية ستضم شخصيات مهنية تمتلك القدرة على إدارة المرحلة المقبلة ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية”، مؤكداً أن “نجاح الحكومة المقبلة يعتمد على اختيار وزراء يمتلكون الخبرة، وأن يكون الوزير من أصحاب الاختصاص والخبرة في عمل الوزارة والتخصص في إدارة مؤسساتهم، بدعم من مجلس النواب والقوى السياسية، للوصول إلى مرحلة من الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد”.

