شفقنا العراق-لا تزال الحيدرخانة تمثل لأبنائها “المنزل الأول” الذي يصعب التخلي عنه رغم قسوة الظروف وتردي الواقع الخدمي. فالمحلة التي ولدت مع بغداد العباسية ما زالت تحتفظ بعمارتها القديمة وروحها الشعبية.
عشق مكان الولادة، أو ما يسمى بـ {المنزل الأول}، أمر طبيعي عند الإنسان، ولا يأتي عن تكلف أبداً بل عن فطرة ربانية تتلبس البشر أينما كانوا. ولم يسلم من هذه الفطرة حتى الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، ولنا في صفوة الأنبياء وخاتمهم الرسول محمد (ص) مثالا يحتذى به؛ حين هاجر من مكة إلى المدينة مرغماً، قال مخاطبا مكة المكرمة بوله العاشق: {والله إنك لخير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت}.
فكيف الحال بالإنسان العادي وسر عشقه لمهد ولادته؟ فالجميع يغني على ليلاه ويحن إليها. وليلى اليوم هي “محلة الحيدرخانة” التي تزامنت ولادتها كما تروي ذاكرة التاريخ مع ولادة العصر العباسي.
اختلافُ الآراء بالتسمية
بشأن تسميتها بـ “الحيدرخانة”، يقول المؤرخ محمد الحسني في كتابه “القديم من محلات الأجداد في رصافة بغداد”: لعل “حيدرا” المنسوبة إليه “الخانة”، هو حيدر جلبي الشاهبندر، وهو من معاصري محمد باشا الخاصكي الذي ولي بغداد سنة 1656 ميلادي، وهذا ما يؤيده المؤرخ مصطفى جواد في مقالة رشيد الصفار “من هو حيدر الجلبي؟” المنشورة في ملحق جريدة المدى بالسادس من حزيران عام 2011.
فيما ينفي تلك المعلومة المؤرخ عماد عبد السلام رؤوف، وينسب التسمية لتكية قديمة لرجل يعرف باسم حيدر، وكانت تقع في مدخل السوق القديم للمحلة، أو ما يسمى بـ “سوق الثلاثاء” في العصر العباسي (أو الحيدرخانة فيما بعد). وتبيّن المصادر أن التكية بيعت من قبل المتولي عليها في العام 1926، وتحولت بعد أن هدمت إلى فندق، كما تشير تلك المصادر.
بيت ناظم الغزالي
أرشدنا الرواف جاسم محمد أبو جلال الذي يسكن المحلة منذ ستين عاما، كما بين إلى محل لبيع المواد الغذائية، وبيّن لنا أن صاحبه يعتبر الموسوعة الحافظة لسكنة المحلة ورموزها لكن للأسف لم نجده، ووجدنا من ينوب عنه ولده السيد عادل حسين كاظم أبو مصطفى، الذي بين لنا أن المنطقة سكنتها عائلات، تميزت بالطيبة وفعل الخير وجمعتها روابط مشتركة، فكانوا أخوانًا في السراء والضراء،
وعن بيت الفنان الراحل ناظم الغزالي، أكد لنا كاظم أن الروايات اختلفت بشأن موقعه، لكن الأغلب بما فيهم الباحثون وقنوات الاعلام أكدت بأن هذه الدار التي أسكنها هي من سكنها الغزالي وزوجته سليمة مراد، بعد أن كان يسكن في غرفة داخل بيت في الزقاق، الذي يقع في الجانب الأيمن من جامع الحيدرخانة،
والبيت الذي يشغله كاظم يقع في الجانب الايسر من الجامع، ومع نفي محدثنا لأسباب أجهلها بأنه ليس بيت الغزالي، رغم اجماع أهالي المحلة بانه بيت فناننا الكبير، واصبح الآن ملكا لعائلة بيت الصندوق من أهالي النجف، الذين كانوا يمتهنون في السابق بيع التتن، ومحدثنا هو المتوكل على الدار من قبل عائلة الصندوق.
معاناة الأزقة
تشابه الأسلاك الكهربائية الرابطة ما بين البيوت والمولدات الاهلية أراها في تلك الازقة الضيقة المتشابكة، في ما بينها داخل تلك المحلة التاريخية، الذي لا يتجاوز عرض بعض أزقتها المتر الواحد، فضلا عن معاناة كل زقاق ضيق من غياب ابسط الخدمات الإنسانية عنها لصعوبة دخول عجلات امانة بغداد إليها.
تركنا الجانب الأيسر من المحلة الذي يسمى بمنطقة جامع حسين باشا السلحدار، ومررنا بتحفة عمرانية غاية في الروعة، هو جامع الحيدرخانة المتأسس عام 1792 ميلادي.
زوجة سائق الزعيم
التقينا أثناء وصولنا إلى الجانب الايمن من الجامع بالسيدة (ام محمد)، وهي ربة بيت اسمها الكامل (ونسة حافظ)، التي تحدثت لنا بعد الحاح وفضول المهنة قائلة: “أنا أعيش في المنطقة منذ ستين عاما وتزوجت من ابو محمد الازيرجاوي القادم من قضاء الميمونة في محافظة ميسان وذلك لكوني من نفس العشيرة، مضيفة أن أبا محمد هو السائق الخاص للزعيم الراحل عبد الكريم قاسم”، وما أن ذكرت بأن زوجها هو سائق الزعيم تجاهلت بل نسيت ما كانت تتحدث به، وطلبت منها متوسلا اللقاء به،
لكنها قالت إنه ضعيف السمع وان كان داخل البيت لا يمكن اللقاء به، وأثناء حديثها نظرت الى زقاق بيتهم وصاحت بنا بصوتٍ عالٍ إنه قرب سيارته فسارعوا للقاء به، وهرول القلب سابقا أقدامنا صوب من به رائحة الزعيم، وجدته بجسد هزيل تغطيه دشداشة قديمة وبعينين أخفت ملامحهما نظارة طبية ولنحوله، الزائد عن الحد شعرت بأني من البدناء جداً، وطبطت على بطني مصدقاً أني من اصحاب الكروش رغم نحافتي.
جرذان وعقارب
ودعنا سائق الزعيم لندخل في زقاق ضيق لا يتجاوز عرضه المتر الواحد وعلى جانبه الايسر مكب من القاذورات، لنصل الى البيت الذي شغل إحدى غرفه الفنان ناظم الغزالي قبل زواجه، الذي ارشدنا اليه صاحب كشك بيع الشاي السيد إياد جبر الذي يقع في الزقاق المجاور لجامع الحيدرخانة،
وما أن وصلنا الدار الواقعة وسط ركام القاذورات خرجت علينا السيدة امل ايوب صاحبة الدار لتبيّن لنا أن ناظم الغزالي كان ساكناً في إحدى غرف الطابق الثاني كمستأجرٍ، وبعد زواجه من سليمة مراد انتقل الى بيت أوسع في نفس المنطقة بحسب قولها، موضحة حجم المعاناة التي تعيشها عائلتها، بسبب تراكم القاذورات في قطعة الارض التي تحيط بالدار،
مبينة أن الجرذان والعقارب تدخل دارها وترعب العائلة آتية من هذا التل الكبير من الاوساخ، مضيفة أنها طالبت لأكثر من مرة صاحب قطعة الأرض بإزالة هذا المكب الخطير بحيواناته والأمراض التي يحملها، أو إقامة سياج بيننا وقطعة ارضه، لكنه لم يستجب بحسب قول أيوب، التي لسان حالها يردد مع منطقتها شكوى المتنبي بقوله ” رماني الدهر بالارزاء حتى… فؤادي في غشاء من نبالِ… فصرت اذا اصابتني سهامٌ… تكسرت النصال على النصالِ “.

