شفقنا العراق-أطفال مخيم الجدعة يعيشون طفولة مختلفة، حيث تغيب ملامح “البيت” الحقيقي عن ذاكرتهم، ويكبرون في بيئة مغلقة تفتقر إلى الاستقرار والتعليم الكافي، ما يجعل مستقبلهم رهناً بمدى قدرة البرامج الحالية على إعادة دمجهم في المجتمع.
داخل خيام مخيم الجدعة، جنوبي محافظة نينوى العراقية، لا يبدو أن الزمن يسير وفق إيقاعه الطبيعي لآلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مساحة رمادية، بين ماضٍ لا يتذكرونه جيداً، ومستقبل لم تتضح ملامحه، بعد هؤلاء الأطفال، وهم من عائلات اتُّهمت بالارتباط بتنظيم “داعش”، يشكّلون اليوم إحدى أكثر القضايا الاجتماعية تعقيداً في العراق، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التحديات النفسية والإنسانية،
إذ منذ نقلهم من مخيم الهول في شمال شرق سورية إلى مخيم الجدعة، يعيش آلاف الأطفال حالة انتقال مستمرة، ليس فقط جغرافياً، بل على مستوى الهوية والانتماء، كثير منهم ولدوا خلال سنوات النزاع أو داخل المخيمات، ولم يعرفوا مدنهم الأصلية إلا من خلال روايات الأمهات، أو الوثائق الرسمية التي يجري العمل على استعادتها.
تقول أم أحمد ذات الـ”32 عاماً”، وهي إحدى قاطني مخيم الجدعة، وهي أم لثلاثة أطفال، إن أبناءها “لا يعرفون معنى البيت الحقيقي”،
وتضيف “نسألهم من أين أنتم، فيقولون من المخيم… لا يتحدثون عن الموصل أو عن أي مدينة أخرى، فهم لا يعرفون غير حياة المخيمات”. وتتابع “حتى لهجتهم تغيّرت، بعض الكلمات تعلموها في الهول، وأخرى هنا.. أشعر بأنهم لا ينتمون لمكان واضح”.
تشكيل الوعي الفردي للأطفال
هذه الحالة من “اللاانتماء” لا تقتصر على الجغرافية، بل تمتد إلى تشكيل الوعي الفردي للأطفال، إذ تشير أم محمد، وهي أم لطفلين، وهي من المخيم ذاته، إلى أن ابنها الأكبر (10 سنوات) يطرح أسئلة متكررة عن هويته، تقول: “يسألني من نحن؟ وأين أهلنا وعشيرتنا؟ لماذا يتجنبنا الناس؟”، مؤكدة “ليس لدي جواب واضح، فقط أقول له إننا سنرجع يوماً ما إلى بيتنا وتنتهي حياة المخيمات”.
لكن “البيت” بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليس سوى فكرة غامضة، خاصة مع غياب التجربة المباشرة للحياة خارج المخيمات، فبين مخيم الهول سابقاً والجدعة حالياً، نشأ جيل كامل في بيئة مغلقة، تحكمها قواعد خاصة، وتغيب عنها مقومات الحياة الطبيعية من تعليم مستقر وعلاقات اجتماعية مفتوحة.
الناشط المدني حاتم الجبوري، الذي يعمل مع منظمات محلية لدعم العائلات داخل المخيمات، يرى، أن المشكلة تتجاوز الجانب الإنساني لتصل إلى “إعادة تشكيل جيل كامل في ظروف استثنائية”،
ويقول: “نحن لا نتعامل فقط مع أطفال يحتاجون إلى تعليم أو دعم نفسي، بل مع هوية غير مكتملة تتشكل في بيئة غير مستقرة، وهذا يخلق تحديات كبيرة عند عودتهم إلى مجتمعاتهم الأصلية”. ويضيف أن “بعض الأطفال يواجهون صعوبة حتى في التفاعل مع الحياة والعلاقات والاندماج مع أقرانهم حتى داخل المخيم، بسبب التأثيرات النفسية الناتجة عن التنقل المستمر والوصمة الاجتماعية المرتبطة بعائلاتهم”.
تشوهات في البناء النفسي
أما الخبير الاجتماعي الأكاديمي، سيف العاني، فيحذر من أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى “تشوهات في البناء النفسي والاجتماعي للأطفال”،
موضحاً أن “الهوية تتشكّل عادة في بيئة مستقرة يتوفر فيها الانتماء والأمان، وأن هؤلاء الأطفال حرموا من هذا الاستقرار، وهم اليوم يعيشون بين روايتين، واحدة من أسرهم، وأخرى مفروضة عليهم من المجتمع”.
ويتابع “إذا لم تُصمم برامج إعادة تأهيل متطورة تحديداً لهؤلاء الأطفال، بطريقة عميقة وتأخذ بعين الاعتبار هذا التشتت في الهوية، فإننا قد نواجه صعوبات حقيقية في اندماجهم مجتمعياً، ليس فقط على المستوى الاجتماعي، بل حتى على مستوى تقبّلهم لذواتهم”.
وبحسب وزارة الهجرة والمهجرين، فإن عملية إعادة التأهيل داخل مخيم الجدعة تستغرق ما بين أربعة إلى ستة أشهر، وتشمل جوانب نفسية وتعليمية وقانونية، تمهيداً لعودة العائلات إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن هذه البرامج لا تركز على الأطفال بشكل كبير بقدر ما تركز على النساء وأفراد العائلة من الكبار.
غير أن مختصين يرون أن عامل الزمن وحده لا يكفي لمعالجة تعقيدات الحالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفال لم يعيشوا تجربة الحياة الطبيعية أصلاً، فالتأهيل، كما يقول العاني “يجب أن يبدأ من سؤال بسيط من هو هذا الطفل؟ وإلى من ينتمي؟ ليوثق ارتباطه العائلي أولاً وارتباطه المجتمعي وارتباطه بالوطن”.
وعملت الحكومة العراقية على إعادة آلاف العائلات العراقية الموجودة في مخيم الهول السوري، منذ عام 2021 بشكل تدريجي، وفق خطة “الإخلاء” التي كان العراق قد اعتمدها بطريقة “الدفعات”،
ضمن محطات زمنية متقاربة، إلى مخيم الجدعة بمحافظة نينوى المجاورة لمحافظة الحسكة السورية، وبدء عمليات متابعة أوضاع النساء والأطفال من النازحين، من خلال دورات تأهيل نفسي واجتماعي وتعليمي، قبل السماح لهم بالعودة إلى منازلهم في مدنهم الأصلية التي تركوها قبل احتلال تنظيم داعش عام 2014.

