شفقنا العراق-تشير أزمة التخطيط الاقتصادي في العراق إلى أن جوهر المشكلة لا يرتبط بندرة الموارد بقدر ما يظهر اختلالاً بنيوياً في إدارة الأولويات، حيث تتكرر الأزمات رغم تبدل الحكومات، في ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية مقابل ضعف واضح في تنمية القطاعات الإنتاجية.
لا تبدو أزمة الاقتصاد العراقي مرتبطة بندرة الموارد بقدر ما تظهر خللاً مزمناً في آليات التخطيط وإدارة الأولويات، إذ تتكرر الاختلالات ذاتها رغم تغيّر الحكومات وتبدّل الظروف.
وبين خطط تُعلن وأخرى تُؤجّل، يبقى التنفيذ الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية تهيمن عليها الإيرادات النفطية، فيما تتراجع فرص بناء قطاعات إنتاجية قادرة على إحداث توازن حقيقي، فيما يبرز غياب الرؤية طويلة الأمد كأحد أبرز التحديات التي تعيق مسار التنمية في البلاد.
يرى الخبير في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن الإشكال لا يكمن في غياب المؤسسات أو الخطط الرسمية، بقدر ما يرتبط بضعف التحول من “التخطيط النظري إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، ما خلق فجوة مستمرة بين ما يُرسم على الورق وما يُطبّق عملياً”.
ويشير السعدي إلى أن العراق ما يزال يدور داخل ما يمكن وصفه بـ”الحلقة النفطية”، حيث ترتفع الإيرادات مع صعود أسعار النفط، لتعود الأزمات المالية مجدداً عند أي هبوط في السوق العالمية، في مشهد يظهر هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها شبه الكامل على مورد واحد.
وعلى الرغم من تكرار هذه الدورات، فإن محاولات كسر هذا النمط لم تنجح حتى الآن في إرساء اقتصاد متنوع قادر على امتصاص الصدمات.
البيانات الاقتصادية
وتكشف البيانات الاقتصادية، حسب السعدي، أن الإيرادات النفطية لا تزال تشكل النسبة الأكبر من دخل الدولة، مقابل ضعف واضح في الإيرادات غير النفطية، وهو ما يكشف اختلالاً هيكلياً عميقاً في بنية الاقتصاد الوطني.
إلا أن جوهر الأزمة، كما يوضح، لا يتوقف عند حدود الاعتماد على النفط، بل يمتد إلى غياب التخطيط طويل الأمد القادر على تحويل العوائد النفطية إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.
ويضيف أن العديد من الدول المعتمدة على مورد واحد استطاعت تجاوز هذا التحدي عبر سياسات تحويلية واضحة، بينما لم تنجح التجربة العراقية في توجيه العوائد نحو تنمية قطاعات الصناعة والزراعة والاقتصاد المعرفي، إذ ظل الجزء الأكبر من الإنفاق موجهاً نحو النفقات التشغيلية وتضخم الجهاز الحكومي.
هذا التضخم، بحسب السعدي، أفرز اقتصاداً غير متوازن، أصبحت فيه الدولة اللاعب الاقتصادي الأكبر دون أن يقابله مستوى إنتاجية موازٍ، في حين بقي القطاع الخاص يعاني من بيئة غير محفزة تتسم بالبيروقراطية وضعف التشريعات وقلة الدعم الفعلي، ما انعكس سلباً على سوق العمل وأسهم في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
كما يشير إلى أن أحد أبرز أوجه الخلل يتمثل في ضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، إلى جانب محدودية استخدام البيانات والمؤشرات في صناعة القرار الاقتصادي، وهو ما يجعل عملية التخطيط أقرب إلى ردود أفعال آنية منها إلى سياسات مبنية على أسس علمية.
قصر النظر السياسي
وفي السياق ذاته، يلفت السعدي إلى ما يسميه بـ”قصر النظر السياسي في إدارة الاقتصاد، حيث تُتخذ القرارات غالباً وفق اعتبارات ظرفية مرتبطة بالدورات السياسية، بدلاً من رؤية تنموية طويلة الأمد”، ما يفسر، برأيه، تكرار الأزمات ذاتها رغم تعاقب الحكومات.
ويخلص إلى أن الأزمة الاقتصادية في العراق لا تعود إلى نقص الموارد بقدر ما ترتبط بسوء إدارتها، ولا إلى غياب الفرص بل إلى ضعف القدرة على تحويلها إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، مؤكداً أن إعادة بناء منظومة التخطيط الاقتصادي تتطلب إصلاحات عميقة تبدأ بفصل القرار الاقتصادي عن التجاذبات السياسية، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتمكين القطاع الخاص، وصولاً إلى بناء مؤسسات تعتمد على البيانات والمؤشرات في اتخاذ القرار بدلاً من الانطباعات والتقديرات الآنية.
ويقول الباحث الاقتصادي عبد الله نجم إن “غياب التخطيط الاقتصادي في العراق لم يعد مجرد خلل إداري بل تحول إلى أزمة هيكلية تؤثر في طريقة إدارة الموارد وتوجيهها، حيث تُبنى السياسات المالية على إيقاع الإيرادات النفطية، لا على رؤية مستقرة تأخذ بنظر الاعتبار الدورات الاقتصادية”.
ويضيف أن “الاقتصاد العراقي بات أسير نموذج إنفاقي ريعي، إذ تُستخدم العائدات النفطية في تمويل الرواتب والتوظيف الحكومي والتوسع التشغيلي، بدلاً من توجيهها نحو استثمارات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة، وهو ما يعمّق الاختلال في بنية الاقتصاد ويضعف قدرته على النمو المستدام”.
اختلالات هيكلية
ويشير نجم إلى أن “التحدي لا يرتبط بندرة الموارد المالية بقدر ما يتعلق بطريقة إدارتها، فالمشكلة تكمن في اختلالات هيكلية واضحة، مثل تضخم الجهاز الحكومي، وضعف تنمية الإيرادات غير النفطية، واستمرار ربط الموازنة العامة بتقلبات أسعار النفط، رغم توفر فرص داخلية لمعالجة هذه الملفات”.
ويتابع أن “هذه البدائل كإصلاح النظام الضريبي أو إعادة هيكلة الإنفاق العام، غالباً ما تصطدم بعوائق سياسية وضغوط اجتماعية، مما يعرقل تنفيذها ويبقي الاقتصاد في دائرة الاعتماد على الحلول المؤقتة”.
ويؤكد أن “ضعف التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية وغياب مركز قرار موحد يؤدي إلى تضارب في السياسات، في وقت تفتقر فيه عملية التخطيط إلى أدوات القياس والتقييم المستمر، ما يجعل من الصعب بناء مسار اقتصادي واضح أو تصحيح الأخطاء بشكل منهجي”.
ويتابع نجم بالقول إن “إعادة بناء التخطيط الاقتصادي تتطلب الانتقال من إدارة الموارد بمنطق التوازنات السياسية إلى إدارتها وفق أولويات تنموية قائمة على البيانات، وربط الإنفاق العام بأهداف إنتاجية طويلة الأمد بما يضمن تقليل الهشاشة وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً”.

