شفقنا العراق-تُظهر المعطيات أن الصادرات غير النفطية في العراق تشهد محاولات حكومية لتنظيم قطاع التصدير وفتح منافذ خارجية أمام المنتج المحلي، إلا أن هذه الجهود تصطدم بضعف الإنتاج واعتماد السوق على الاستيراد.
يواجه الاقتصاد العراقي مجموعة من التحديات البنيوية التي ما تزال تعيق تحقيق تحول حقيقي نحو اقتصاد منتج ومتنوع. ويأتي ملف الصادرات غير النفطية في مقدمة الملفات التي تسعى الدولة إلى تطويرها باعتبارها أحد أهم أدوات تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل شبه كامل على النفط مصدراً رئيساً للإيرادات العامة، ما يجعله اقتصادا ريعيًا يتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، ويحد من قدرته على بناء قاعدة إنتاجية مستدامة.
جهود تنظيم التصدير
وقال المتحدث باسم وزارة التجارة، محمد حنون إن الوزارة تعمل ضمن خططها الحالية على تنظيم وتطوير قطاع التصدير في العراق، من خلال مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز حضور المنتج العراقي في الأسواق الخارجية وفتح منافذ تجارية جديدة أمام السلع الوطنية.
ثم أوضح أن الوزارة تسعى إلى تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع عدد من الدول، بما يسهم في تسهيل انسيابية حركة الصادرات العراقية، إلى جانب دعم القطاع الخاص وتمكينه من الدخول في الأسواق الخارجية وزيادة قدرته التنافسية.
وأضاف حنون أن الجهود الحكومية لا تقتصر على الجانب التنظيمي فقط، بل تشمل أيضًا العمل على تطوير بيئة الأعمال المرتبطة بالتصدير، بما في ذلك تحسين الإجراءات التجارية وتسهيل حركة البضائع عبر المنافذ الحدودية.
كما بين أن الصادرات غير النفطية ما تزال محدودة، وتتركز في عدد من السلع أبرزها التمور، والإسمنت، وبعض المنتجات الزراعية، إضافة إلى صناعات غذائية محدودة، وما تزال دون مستوى الطموح مقارنة بحجم الاستيراد الكبير التي تشهده السوق العراقية.
وأكد حنون أن الوزارة تعمل على رفع حجم الصادرات تدريجيًا من طريق دعم المنتج المحلي وتحسين جودته، بما يعزز فرص دخوله إلى الأسواق الإقليمية والدولية، ويسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني.
الاعتماد على الاستيراد
ويشير مختصون إلى أن السوق العراقية ما تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من السلع الأساسية والاستهلاكية والصناعية، في ظل ضعف واضح في القطاع الإنتاجي المحلي، الأمر الذي ينعكس على محدودية الصادرات غير النفطية.
كما يلفت خبراء إلى أن هذا الاعتماد الواسع على الاستيراد، مقابل ضعف الإنتاج المحلي، يشكل تحديًا كبيرًا أمام أي محاولة جادة لبناء اقتصاد متنوع، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية الصناعية والزراعية.
تنويع الاقتصاد
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، أحمد الأنصاري: إن استمرار اعتماد العراق على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات العامة يمثل أحد أبرز التحديات أمام عملية التنمية الاقتصادية.
وأوضح الأنصاري، أن تنويع مصادر الدخل يتطلب رؤية اقتصادية شاملة تعتمد على دعم القطاعات الإنتاجية، وخاصة الصناعة والزراعة، إضافة إلى تحسين بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، بما يخلق فرص عمل ويقلل من الاعتماد على الواردات.
ثم أشار إلى أن نجاح أي سياسة اقتصادية إصلاحية يتطلب وجود إرادة حقيقية لتنفيذها، إلى جانب توفير بيئة مستقرة تسمح بنمو القطاعات غير النفطية بشكل تدريجي ومستدام.
تحديات كبيرة
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي، مصطفى فرج، أن العراق يمتلك مقومات اقتصادية حقيقية تؤهله للتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، إلا أن هذه المقومات ما تزال تواجه تحديات كبيرة ومعقدة.
كما بين أن من أبرز هذه التحديات الفساد المالي والإداري، والبيروقراطية، والتداخلات السياسية في القرارات الاقتصادية، وهي عوامل تعيق أي عملية إصلاح اقتصادي جاد.
وأوضح فرج أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على النفط، الذي يشكل نحو 90 % من الإيرادات العامة، في حين تبقى الإيرادات غير النفطية محدودة جدًا، ما يظهر ضعف القاعدة الإنتاجية في البلاد.
ثم لفت إلى أن العراق يمتلك فرصًا اقتصادية غير مستغلة، أبرزها قطاع السياحة الدينية الذي يُعد من القطاعات القادرة على جذب العملة الصعبة، إلى جانب إمكانية تطوير القطاعين الصناعي والزراعي بشكل أكبر.
وأشار إلى إمكانية تحويل جزء من حجم الاستيراد الكبير إلى فرص إنتاج محلي، خصوصًا في مجالات مثل الإسمنت، والحديد، والمنتجات الزراعية، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، مؤكدًا أن أي تحول حقيقي نحو اقتصاد متنوع يتطلب تنفيذ إصلاحات جذرية تشمل مكافحة الفساد، وتقليل هيمنة الأحزاب على النشاط الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص بشكل فعّال، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الإنتاجية.
وعدّ الاستثمار في رأس المال البشري من خلال تطوير التعليم والتدريب المهني عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصاد قادر على المنافسة، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يمكن أن يرفع مساهمة القطاعات غير النفطية بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة.
اقتصاد متنوع
في ضوء المعطيات الحالية، يبقى الاقتصاد العراقي أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في الانتقال من نموذج يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع ومستدام. وبين جهود وزارة التجارة في تنظيم ودعم التصدير، وتحذيرات الخبراء من استمرار الاختلال الهيكلي في بنية الاقتصاد، يظل نجاح هذا التحول مرهونًا بتنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة وعميقة.
وتشمل هذه الإصلاحات دعم الإنتاج المحلي، ومكافحة الفساد، وتطوير البنية الصناعية والزراعية، إلى جانب تفعيل دور القطاع الخاص، بما يضمن بناء اقتصاد أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحديات خلال السنوات المقبلة.

