شفقنا العراق-يفتح تصاعد تلوث دجلة والفرات الباب أمام تساؤلات جدية حول تحول الأزمة البيئية إلى تهديد صحي شامل في العراق. فمع تزايد مؤشرات الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، تتسع المخاوف من انعكاسات طويلة الأمد على السكان، خصوصاً في المناطق القريبة من مصادر التلوث.
تتجه الأنظار داخل الأوساط السياسية والنيابية نحو ملف التلوث البيئي المتفاقم في نهري دجلة والفرات، في ظل تصاعد الدعوات المطالِبة بإعلان حالة طوارئ مائية، على خلفية ما يوصف بتدهور خطير في نوعية المياه وما يترتب عليه من تداعيات صحية وبيئية تمسُّ حياة ملايين المواطنين.
ويأتي هذا التحرك النيابي بعد تحذيرات من استمرار تصريف مياه المجاري والمخلَّفات الصناعية والنفايات الصلبة إلى مجاري الأنهار، ما أدى – حسب نواب – إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الفشل الكلوي والأمراض السرطانية والتسممات، في مؤشر يعكس عمق الأزمة البيئية التي تواجهها البلاد.
وفي هذا السياق، قال النائب محمود فالح الشمري، إن مجلس النواب شكّل لجنة خاصة لمتابعة ملف التلوث في نهري ديالى ودجلة، واتخذت إجراءات تضمنت توجيه المحافظات المتضررة لرفع دعاوى قضائية ضد الجهات المتسببة بالتلوث، مشيراً إلى أن الحكومة أبدت دعماً في متابعة هذا الملف على المستوى الرسمي.
وأضاف الشمري أن اللجنة تواصل أيضاً التنسيق مع الأمم المتحدة بشأن الأضرار البيئية التي يتعرض لها العراق، موضحاً أن المنظمة الدولية أشارت إلى وجود صناديق سيادية دولية مخصصة للدول المتضررة من التغير المناخي، وأن العراق يُصنّف ضمن أكثر خمس دول تأثراً بهذه الظواهر.
ثم بيّن أن هذه الصناديق تُموَّل سنوياً من الدول الصناعية بما يصل إلى 100 مليار دولار، إلا أن العراق – بطحسب تعبيره – لم يستفد بالشكل المطلوب من هذه الآليات الدولية.
مواقع الطمر الصحي
وفي جانب آخر من الملف البيئي، أشار الشمري إلى أن مواقع الطمر الصحي الواقعة جنوب منطقة النهروان تُعدُّ غير نظامية.
كما لفت إلى أن عمليات حرق النفايات فيها تسببت بأضرار بيئية وصحية واسعة، امتدت إلى مناطق سكنية مثل بسماية وحي الوحدة، مع تسجيل مؤشرات على ارتفاع الأمراض المرتبطة بالتلوث.
كذلك انتقد غياب مشاريع فعالة لتدوير النفايات، رغم الإعلان عن مبادرات لم تُنفذ على أرض الواقع.
وأكد النائب أن الكثافة السكانية المرتفعة في العاصمة بغداد، والتي تتجاوز 10 إلى 11 مليون نسمة، ساهمت في تفاقم الأزمة البيئية، إلى جانب ارتفاع نسب الفقر التي تلامس 40 بالمئة.
ودعا الحكومة المقبلة إلى إدراج ملف التلوث ضمن أولوياتها الوطنية، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي يشكل “كارثة بيئية” تهدد الصحة العامة.
كما اتهم الشمري أمانة بغداد بوجود تجاوزات بيئية تتعلق برمي النفايات في نهر دجلة، مطالباً بوضع حلول عاجلة خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، بعد عقود من استمرار المشكلة.
ثم أكد أن اللجنة النيابية ماضية في متابعة الجهات المقصرة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
وفي السياق ذاته، دعا النائب يوسف الكلابي إلى إعلان حالة طوارئ مائية بشكل رسمي، محذراً من تصاعد مستويات التلوث في نهر دجلة وما يرافقه من انعكاسات صحية خطيرة.
تصريف المياه الثقيلة
وقال الكلابي، إن هناك نحو 24 منفذاً ومكباً ملوثاً تصبُّ في نهر دجلة عبر مجاري العاصمة، فيما يُعدُّ نهر ديالى من أكثر المصادر الملوثة نتيجة تصريف المياه الثقيلة والنفايات السائلة والصلبة إليه، لافتاً إلى أن هذه الملوثات تنتقل إلى دجلة عند ارتفاع مناسيب المياه، ما يفاقم الأزمة على نطاق أوسع.
وأضاف أن اللجنة النيابية تتابع عدداً من الحلول المقترحة، من بينها مشروع “العطارية” الممتد لمسافة 49 كيلومتراً من بغداد باتجاه منطقة العطارية.
ثم أوضح أن المشروع كان قد أُنجز سابقاً لكنه توقف بعد عام 2003 نتيجة عمليات سرقة وتخريب، ما أدى إلى عودة تصريف مياه الصرف الصحي إلى الأنهار بشكل مباشر.
وأكد الكلابي استمرار عمل اللجنة النيابية في متابعة هذا الملف، مشيراً إلى وجود دعم رسمي لمعالجة أزمة التلوث وحماية الموارد المائية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الأزمة البيئية إلى تهديد إستراتيجي للأمن الصحي والمائي في البلاد.
وتكشف هذه التطورات حجم التحدي البيئي والسياسي الذي يواجهه العراق، في ظل تداخل عوامل التلوث وضعف البنى التحتية وتراكم الإخفاقات في إدارة الموارد المائية، ما يجعل ملف دجلة والفرات واحداً من أبرز الملفات الضاغطة على الحكومة والمؤسسات التشريعية في المرحلة الراهنة.

