شفقنا العراق-يشهد ملف الحسابات العراقية في الفيدرالي الأميركي جدلاً اقتصادياً في العراق بين من يراه ضمانة لحماية الأموال النفطية، ومن يعتبره تقييداً للسيادة المالية.
ويستمر النقاش حول استمرار هذه الآلية منذ 2003 في ظل تغيرات الاقتصاد والحاجة إلى استقلال أكبر في القرار المالي.
يحتل ملف إدارة الحسابات العراقية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي موقعا متقدما في النقاش الاقتصادي والمالي في العراق، باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مسار السياسة النقدية واستقرار العملة، فضلًا عن ارتباطه المباشر بمسألة السيادة المالية وإدارة العوائد النفطية.
ورغم أن هذه الآلية نشأت في ظروف استثنائية أعقبت عام 2003 لضمان حماية الأموال العراقية، فإن استمرارها حتى اليوم يثير جدلا واسعا بين من يرى فيها ضمانة للاستقرار المالي، ومن يعتبرها قيدا على استقلال القرار الاقتصادي في البلاد.
حماية الأموال العراقية
ويرى الخبير المالي د. نبيل العبادي أن هذه الآلية تمثل «إدارة بالوكالة لمخاطر سيادية استثنائية»، مشيراً إلى أنها أدت دوراً محورياً في ضمان استقرار التمويل الحكومي وحماية الأموال العراقية، وهو ما لا يمكن التقليل من أهميته في ظل التحديات التي واجهها الاقتصاد خلال السنوات الماضية.
متطلبات الامتثال
في المقابل، يبرز الجانب الاقتصادي المرتبط بإدارة المخاطر السيادية، إذ يشير مختصون إلى أن الاعتماد على قناة مالية واحدة لإدارة الاحتياطيات والتدفقات النقدية يتعارض مع مبادئ التنويع المعتمدة في الأنظمة المصرفية الحديثة.
وقد أظهرت تجارب سابقة أن أي تأخير في الإجراءات أو تشديد في متطلبات الامتثال يمكن أن ينعكس بشكل سريع على شكل ضغوط سيولة داخلية، تمس استقرار السوق المحلية.
المعايير الدولية
من جانبه، يؤكد الخبير الأكاديمي د. نوار السعدي أن وجود الحسابات العراقية ضمن النظام المالي الأميركي يوفر مستوى عالياً من الأمان والرقابة، ويحد من مخاطر الفساد وسوء الاستخدام، فضلاً عن تعزيز ثقة الشركاء الدوليين.
لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذه الإدارة ليست محايدة بالكامل، إذ تخضع حركة الأموال لإشراف رقابي دقيق، ما يمنح الجهات الاميركية قدرة على التأثير غير المباشر في تدفقات الدولار، لا سيما في حالات عدم الامتثال للمعايير الدولية.
مرونة التدخل السريع
ويضيف السعدي أن التحدي الأبرز يكمن في ما يمكن وصفه بـ»تقييد جزئي» للسياسة النقدية، نتيجة ارتباط إدارة الدولار بمنظومة رقابية خارجية، ما يحد من مرونة التدخل السريع في السوق المحلية وفق الظروف الاقتصادية.
وبين مزايا الحماية القانونية ومخاطر الاعتماد الأحادي، تتقاطع آراء الخبراء عند نقطة أساسية مفادها أن الاشكالية لا تكمن في وجود هذه الآلية بحد ذاتها، بل في كيفية إدارة العلاقة معها، إذ تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن دقيق بين الالتزام بمعايير الامتثال الدولية، وتعزيز استقلالية القرار المالي، وتقوية النظام المصرفي المحلي.
تنويع الاحتياطيات الأجنبية
وفي هذا الإطار، يشدد مختصون على أهمية تبني إصلاحات تدريجية تشمل تنويع الاحتياطيات الأجنبية، وتطوير البنية المصرفية، وتعزيز أنظمة الدفع الإلكتروني، فضلاً عن تقليل الاعتماد على النقد وتوسيع قاعدة الشمول المالي.
ويخلص مراقبون إلى أن آلية إدارة الحسابات لدى الفيدرالي الاميركي ستبقى في المدى المنظور جزءاً أساسياً من منظومة الاستقرار المالي في العراق، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية إستراتيجية تستهدف بناء نظام مالي أكثر تنوعاً واستقلالية، بما يضمن استدامة الاستقرار وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.

