شفقنا العراق-تكشف المؤشرات الرقمية المرتبطة بأزمة الكهرباء في العراق عن خلل بنيوي عميق يتجاوز مسألة نقص الإنتاج إلى سوء إدارة الموارد المتاحة.
في العراق، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد خلل خدمي عابر، بل تحولت إلى جزء من الحياة اليومية يحدد إيقاعها بالكامل. فالمواطن لا يسأل متى تتوفر الكهرباء بقدر ما يسأل كم ساعة ستنقطع اليوم. وفي بلد تتجاوز فيه درجات الحرارة صيفًا 50 درجة مئوية، تصبح الكهرباء عنصرًا مرتبطًا بالصحة والإنتاج والاستقرار الاجتماعي، وليس مجرد خدمة أساسية، ما يجعل الأزمة أقرب إلى قضية معيشية مستمرة لا تنفصل عن تفاصيل الحياة اليومية.
مليارات أُنفقت.. ونتائج لا تزال محدودة
على مدى أكثر من عقدين، أنفق العراق عشرات المليارات من الدولارات على قطاع الكهرباء، في استثمار كان يُفترض أن يحقق استقرارًا طاقيًا واسعًا. إلا أن الواقع يشير إلى أن الإنتاج الفعلي لا يزال في حدود 29 غيغاواط، في حين يرتفع الطلب إلى ما بين 40 و45 غيغاواط خلال فترات الذروة. هذه الفجوة الكبيرة، التي تتراوح بين 11 و16 غيغاواط، لا تعني مجرد ضغط على الشبكة، بل تتحول عمليًا إلى انقطاعات قد تمتد لساعات طويلة يوميًا في بعض المناطق، خصوصًا خلال أشهر الصيف الحارّة، حيث يتضاعف الطلب على الطاقة بشكل حاد.
قطاع كهرباء يضغط على الاقتصاد العام
يعاني قطاع الكهرباء في العراق من كونه من أكثر القطاعات استهلاكًا للإنفاق الحكومي، بسبب اعتماده على بنية تحتية كثيفة رأس المال.
ثم أن نظام الدعم الحالي يجعل التعرفة تغطي أقل من 20% من التكلفة الفعلية، ما يخلق عجزًا ماليًا دائمًا ويجعل القطاع غير قادر على تمويل نفسه أو التطوير الذاتي.
وتشير التقديرات إلى أن الخسائر التشغيلية الناتجة عن سوء الإدارة وضعف الكفاءة قد تصل إلى ما بين 3 و4 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم يعكس حجم الهدر المستمر في المنظومة، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة في تمويل مشاريع البنية التحتية الأخرى.
مع اقتراب صيف 2026، تتجه التوقعات نحو تفاقم أزمة الكهرباء نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب السنوي الذي ينمو بمعدل يتراوح بين 7% و10%.
هذا النمو يعني حاجة إضافية سنوية تقارب 2 إلى 3 غيغاواط فقط للحفاظ على الوضع الحالي، دون أي تحسن حقيقي.
وفي حال استمرار الفجوة الحالية دون معالجة، قد يتجاوز العجز حاجز 15 غيغاواط، ما سيؤدي إلى ضغط شديد على الشبكة الوطنية وانقطاعات أوسع وأطول، وربما عودة الاعتماد شبه الكامل على المولدات في بعض المدن خلال ساعات الذروة.
الطلب المتزايد: أزمة تتسع تلقائيًا
ينمو الطلب على الكهرباء في العراق بمعدل سنوي يتراوح بين 7% و10%، ما يعني إضافة طلب جديد يقارب 2 إلى 3 غيغاواط سنويًا. ومع بطء تطوير البنية التحتية، تتسع الفجوة بشكل مستمر، ما يجعل أي تحسن جزئي غير كافٍ لإيقاف التدهور على المدى المتوسط.
تُظهر الصورة الرقمية لقطاع الكهرباء في العراق معادلة مختلة بوضوح: إنتاج يبلغ 29 غيغاواط مقابل طلب يصل إلى 40–45 غيغاواط، أي عجز يتراوح بين 11 و16 غيغاواط.
وفي المقابل، تُفقد 30% إلى 40% من الكهرباء أثناء النقل والتوزيع، بينما يُحرق سنويًا 17–18 مليار متر مكعب من الغاز القادر على إنتاج أكثر من 30 غيغاواط.
ورغم ذلك، لا يغطي تسعير الكهرباء سوى أقل من 20% من التكلفة الفعلية، بينما تتسبب الكفاءة التشغيلية المنخفضة بخسائر سنوية تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تشير إلى نقص موارد، بل إلى خلل عميق في إدارة الموارد وتحويلها إلى خدمة فعالة ومستدامة.
إن معالجة أزمة الكهرباء في العراق لا يمكن أن تقوم على حلول مؤقتة أو مشاريع منفردة تُنفّذ بمعزل عن بعضها، بل تتطلب رؤية إصلاحية شاملة تعيد بناء القطاع من جذوره. فالمشكلة اليوم ليست في جانب واحد فقط، بل في تداخل معقد بين سوء الإدارة، وضعف البنية التحتية، والهدر الكبير في الموارد، والاعتماد الخارجي غير المستقر.

