شفقنا العراق ــ في إنجاز علمي عراقي تجاوز الحدود المحلية، حجزت موسوعة “توثيق إرهاب القاعدة وداعش في العراق” مكاناً بارزاً في كبرى الجامعات البريطانية، فمن جامعة أكسفورد العريقة إلى جامعات دورهام وليستر ولندن، فرض هذا المنجز الذي أنجزه “مركز بيّنة” التابع للعتبة الحسينية المقدسة حضوره كأول وثيقة وطنية شاملة توثق الانتهاكات ضد التراث الحضاري بلغة البحث الأكاديمي الرصين.
ولم تقتصر الجولة العلمية لوفد العتبة الحسينية على عرض المجلدات التسعة الخاصة بمحور الآثار، بل فتحت آفاقاً دولية واسعة تمثلت في دعوات رسمية للترجمة والشراكة البحثية، وتحويل الموسوعة إلى دليل إدانة قانوني ومنصة عالمية تضع جرائم الإرهاب تحت أنظار المجتمع الدولي.
وفي التفاصيل، استقبل مدير مركز بيّنة للأمن الفكري والثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة فضيلة الشيخ علي عبد زيد القرعاوي، في مكتبه بالمركز، وفد العتبة الحسينية المقدسة العائد من المملكة المتحدة، بعد مشاركته في جولة علمية وأكاديمية امتدت من 19 نيسان ولغاية 27 نيسان 2026 بهدف تسويق موسوعة توثيق إرهاب القاعدة وداعش في العراق والتي أنحزها المركز مؤخرا، ولا سيما محور الآثار المؤلف من تسعة أجزاء.
وضم الوفد كلا من الأستاذ الدكتور زين العابدين موسى آل جعفر، والدكتور عقيل غالب والأستاذ الدكتور جعفر حمزة الجوذري حيث قدم الوفد عرضا مفصلا عن نتائج الزيارة وما حققته من حضور علمي دولي للموسوعة في عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية البريطانية.
دعوات رسمية من أربع جامعات بريطانية
وقال الأستاذ الدكتور زين العابدين موسى آل جعفر، أحد أعضاء الوفد إن الفريق تلقى دعوات رسمية من أربع جامعات بريطانية مرموقة هي: جامعة دورهام، وجامعة أكسفورد، وجامعة ليستر، وجامعة لندن لغرض إلقاء محاضرات علمية حول الموسوعة وإيداع نسخ من أجزائها في المكتبات العامة لهذه الجامعات بما يتيح للباحثين والطلبة الاطلاع عليها بوصفها وثيقة علمية ووطنية مهمة.
وأوضح أن الموسوعة لاقت اهتماما كبيرا من الأوساط الأكاديمية البريطانية، كونها تمثل التجربة الوطنية الأولى التي يتولى فيها باحثون عراقيون توثيق الانتهاكات التي تعرض لها التراث الحضاري العراقي على يد تنظيمي القاعدة وداعش، خلافا لما جرت عليه العادة من اعتماد التوثيق على المؤسسات الأجنبية فقط.
جامعة دورهام: طلبات للتعاون العلمي والبحث المشترك
وأشار آل جعفر إلى أن زيارة جامعة دورهام أسفرت عن جملة من المقترحات العلمية المهمة أبرزها طلب الجامعة تزويدها بالبيانات الآثارية الخام الخاصة بالموسوعة بهدف معالجتها وعرضها على المنصة العالمية لآثار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما طلب فريق الجامعة الموافقة على نشر نتائج الموسوعة ضمن بحث علمي مشترك يُنشر في مجلة عالمية رصينة إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم للتعاون العلمي والبحثي فضلا عن عرض البيانات التي تمتلكها الجامعة ضمن منصة الموسوعة في العراق واقتراح دمج نتائج الموسوعة العراقية مع نتائج الموسوعة السورية في إطار توثيقي أوسع.
أكسفورد: اهتمام بالنشر والترجمة والتوسع الدولي
وبيّن أن جامعة أكسفورد أبدت رغبة واضحة في نشر بيانات الموسوعة على منصتها العلمية مع طلب توقيع مذكرة تفاهم رسمية إضافة إلى طرح فكرة ترجمة الموسوعة إلى اللغة الصينية بما يوسع دائرة انتشارها عالميا.
كما قدم فريق الجامعة مجموعة من الأسئلة العلمية المتعلقة بطبيعة التوثيق وآليات جمع البيانات والمعلومات، بما يعكس اهتماما أكاديميا جادا بمنهجية العمل التي اعتمدها فريق الموسوعة.
ليستر: منصة إلكترونية وتدريب متخصص
وفي جامعة ليستر أوضح آل جعفر أن الفريق الأكاديمي هناك أبدى رغبة في عرض نتائج الموسوعة على المنصة الإلكترونية الخاصة بالجامعة، مع طلب تزويدهم بالنسخة المترجمة لتكون ضمن المكتبة الإلكترونية.
وأضاف أن الجامعة أبدت رغبتها في زيارة مقر العتبة الحسينية المقدسة في كربلاء والاطلاع على الأرشيف الورقي للموسوعة، إلى جانب عرضها تدريب فريق الموسوعة على آليات التوثيق الحديثة والأتمتة الإلكترونية، فضلا عن مناقشة بقية أجزاء الموسوعة وآليات توثيقها.
مشاركة علمية في مؤتمر الجمعية البريطانية لآثار الشرق الأدنى
كما شارك الوفد في مؤتمر الجمعية البريطانية لآثار الشرق الأدنى الذي أقيم في جامعة لندن حيث قدم الوفد بحثين علميين الأول بعنوان (توثيق المواقع الأثرية التي تعرضت لإرهاب القاعدة وداعش في العراق) ، والثاني بعنوان (توثيق المعابد الإيزيدية التي دمرتها داعش).
وأكد آل جعفر أن البحثين حظيا باهتمام واسع من المشاركين والباحثين كما شهد المؤتمر لقاءات جانبية مع مختصين بآثار العراق جرى خلالها مناقشة نتائج الموسوعة وآفاق تطويرها وتوسيع انتشارها.
وأشار إلى أن الوفد تلقى دعوات إضافية من جامعات ومنظمات دولية من فرنسا وألمانيا واليابان والصين وهولندا وإيطاليا وتركيا والولايات المتحدة، فضلا عن جامعات بريطانية أخرى مثل يورك، وكلاسكو، ونيوكاسل، ومانشستر، وكامبردج، وساوثهامبتون، لغرض زيارتها وتسليمها نسخا من الموسوعة.
الموسوعة وثيقة وطنية ودليل إدانة قانوني
وأكد آل جعفر أن موسوعة توثيق إرهاب القاعدة وداعش في العراق تمثل وثيقة وطنية ورسالة محفوظة للأجيال، ويمكن اعتمادها دليل إدانة قانونيا معتدا به في المحافل الدولية كونها أُعدت من قبل فريق علمي متخصص ومتنوع عرقيا ومذهبيا في مجال الآثار.
وأضاف أن الموسوعة تسهم في التحصين الفكري والثقافي، وفضح جرائم الإرهاب التي ارتكبتها القاعدة وداعش بحق التراث الحضاري العراقي، فضلا عن دورها في منع تكرار الاعتداءات على المواقع الأثرية مستقبلا.
مقترحات لتحويل الموسوعة إلى منصة عالمية
واقترح الوفد الشروع بتصميم موقع إلكتروني متخصص تُنشر عليه نتائج الموسوعة ليكون منصة عالمية مفتوحة أمام الباحثين والمؤسسات العلمية، إلى جانب إرسال نسخة إلكترونية مترجمة إلى المنصات الدولية المعنية بتوثيق هذه الجرائم. كما دعا إلى استمرار التواصل مع الجامعات والمنظمات الدولية، باعتبار هذه الجولة تمثل الانطلاقة الأولى نحو العالمية، فضلا عن إرسال نسخة من الموسوعة إلى مقر الأمم المتحدة في جنيف، المختص بتوثيق المباني التراثية المتعرضة للانتهاك في أزمنة الحروب.
من جانبه ثمّن مدير مركز بيّنة للأمن الفكري والثقافي فضيلة الشيخ علي عبد زيد القرعاوي جهود الوفد، مؤكدا أن هذا الحضور الدولي يعكس أهمية المشروع العلمي الذي تتبناه العتبة الحسينية المقدسة، ويجسد رسالتها في حفظ الذاكرة الحضارية للعراق، وتعزيز الأمن الفكري والثقافي، وتقديم الحقيقة للعالم بلغة البحث العلمي الرصين.

